قوله: (( ارحموا من في الأرض ) )يعني الديدان والحشرات؟ لا، يعني ليرحم بعضكم بعضًا؛ (( يرحمكم من في السماء ) ).
وهذه النقطة الأهم التى أريد أن ألفت نظركم إليها ربطًا لهذا الحديث بالآية السابقة: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} ؛ لأن بعض المبتدعة -قديمًا وحديثًا- يُشكِل عليهم هذا النَّص القرآني والحديث النبوي -أيضًا-؛ لكن الحديث النبوي يزيل الإشكال؛ لأنه قال: (( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) )فلا أحد يفهم من قوله في الجملة الأولى من الحديث: (( من في الأرض ) )؛ يعني: من في جوف الأرض؛ وإنما من على الأرض؛ يعني من البشر.
(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) )؛ (( في السماء ) )أيضًا هنا؛ بمعنى: على السماء، فحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض.
فقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} هذه نقطة يجب أهل السنة أن يعرفوها؛ حتى ما إذا جهلوها استغلوا من قبل المبتدعة؛ حيث يقولون:"أنتم تقولون أن الله -عزَّ وجلَّ- على العرش استوى"، وتفسرون: استوى؛ بمعنى: استعلى، وربنا يقول: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} . فإذن الله في السماء، والسماء خلق من خلق الله، فهل السماء ظرف لله -عزَّ وجلَّ- أحاط به؟
والواقع أنَّ الله قد وصف نفسه بقوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [1] ، فهو أكبر من كل شيء؛ لذلك نحن نستفتح صلواتنا بقولنا: (الله أكبر) ؛ فكيف ربنا في السماء؟
وما معنى قول الجارية حينما سألها الرسول: أين الله؟ فقالت: في السماء؟ أي على السماء؛ لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، وعلى ذلك يتفق قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} إلى آخر الآية، بالنصوص الأخرى التي تعطي أن لله -عزَّ وجلَّ- صفة العلو على كل المخلوقات، وأعلاها عرش الرحمن -تبارك وتعالى-.
يأتي هذا الحديث ليؤكد هذا المعنى: (( ارحموا من في الأرض ) )؛ أي: من على الأرض؛ (( يرحمكم من في السماء ) )؛ أي: من على السماء.
(1) [فصلت: 54] .