فهرس الكتاب

الصفحة 1353 من 4091

وعلاقات الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى نوع من هذا الإجتهاد: فالحاكم ينظر في مصلحة المسلمين، فقد يهادن دولة، وقد يحارب أخرى، ويعاهد دولة، ويعقد اتفاقيات تجارية وصناعية مع أخرى، كل هذا يراعي فيه مصلحة المسلمين العامة ..

وهناك معاصي لم يذكر لها الشارع عقابًا في الدنيا، إلا أنها لا تمرر هكذا دون عقاب بل يجتهد فيها الحاكم للمصلحة، قال ابن تيمية رحمه الله: وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة [وذكر أمثلة عديدة، إلى أن قال] ، فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلا، وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور، زيد في عقوبته، بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كبر الذنب وصغر" (انتهى من الفتاوى ج28) .."

إن من أعظم القواعد التي تحكم هذه الإجتهادات وهذه السياسات: قاعدة المصالح والمفاسد، وهي قاعدة عامة عظيمة، بل هي من أعظم قواعد الدين، فجميع الأحكام الشرعية إنما جعلها الله لدرئ المفاسد عن الناس وجلب المصالح لهم، أو لتكثير المصالح وتقليل المفاسد، والسياسة الشرعية في حقيقتها تدور حول هذه القاعدة التي تدخل تحت القاعدة الفقهية الكبرى"لا ضرر ولا ضرار"..

قال ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى: ج28) "فإن مدار الشريعة على قوله تعإلى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) ، المفسر لقوله: {اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (آل عمران: 102) ، وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم". (أخرجاه في الصحيحين) . وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع. (انتهى كلامه رحمه الله) .."

إن كل ما فيه مصلحة حقيقية للناس فهو من الدين، وكل ما فيه مفسدة للناس فليس من الدين، فإن كان الأمرين: و ترجحت المصلحة كان الفعل مطلوبًا، وإن ترجحت المفسدة فيجب الكف عن الفعل .. وهذه المصالح والمفاسد إنما يحددها الشرع، فكل ما قال عنه الشرع حسن فهو مصلحة، وكل ما قبحه الشرع فهو مفسدة، ولا تكون هذه المصالح والمفاسد وفقًا لأهواء البشر - كما هو حال النظرية الديمقراطية التي استباحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت