الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... أما بعد:
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم)
لقد اختار الله سبحانه وتعالى الأمة العربية (في جزيرة العرب) في بداية الدعوة لحفظ رسالته ونشرها في الأرض لما لها من الخصائص الفريدة التي لا يباريها فيها أي جنس من أجناس الأرض .. لقد كان في العرب من العزة والأنفة والبعد عن الإنقياد لملوك الأرض والرضى بالعيش بحرية في الصحراء القاحلة على العيش الإنقيادي التابعي في المدن الخضراء الوارفة الظلال ما لم يكن في أمة من الأمم .. ولم يحصل في تاريخ العرب (وخاصة عرب الجزيرة) أن انصاعوا (لفترة طويلة) لملك أو رئيس، إلا ما كان من الإنقياد للنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده عقيدةً لا قهرًا، ومن رام قهرهم طلّق النوم جفنه.
يقول ابن خلدون في مقدمته (الفصل السابع والعشرون) : العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادًا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة فقلما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك. وهم مع ذلك أسرع الناس قبولًا للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة المتهياء لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى وبعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات فإن كل مولود يولد على الفطرة كما ورد في الحديث. (انتهى كلامه)