فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 4091

هذه الوحشية التي تكلم عنها"ابن خلدون"، هي البداوة وشظف العيش والشدة في المعيشة والخشونة الطبيعية التي صقلها الإسلام بمنهج رباني فساسها نحو المعالي التي قادت البشرية إلى الإنسانية الرفيعة البعيدة عن حياة الفوضوية في فترة قياسية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: أين ذهبت هذه الأنفة، وهذه الرفعة، والعزة!!

إن سنة الله سبحانه وتعالى لا تتبدل ولا تتغير في عباده، فالأمة التي ترضى بالعبودية لغير الله وتستسيغ القهر والظلم، ويصبح قبول المذلة سجيّة فيهم، هذه الأمة لا تجني إلا الذل والقهر.

يقول ابن خلدون، رحمه الله، في مقدمته (الفصل التاسع عشر) : من عوائق الملك حصول المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزًا عن المقاومة والمطالبة" (انتهى كلامه) "

وانظر إلى حال بني إسرائيل لما أمرهم نبي الله موسى عليه السلام بدخول الأرض التي بارك الله حولها فـ"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ" (المائدة: 22)

ومع إصرار نبي الله موسى وقليل ممن معه من المؤمنين بأن الغلبة لهم إن خطوا تلك الخطوات، إلا أن الجبن والذل غلب على أمرهم، فغلبهم على أيمانهم"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" (المائدة: 24)

كان هذا الموقف الجبان وهذ التردد نتيجة استساغتهم للعبودية (لغير الله) التي كانوا عليها، ورضاهم بالذل الذي سامهم إياه فرعون لأجيال متعاقبة"إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" (القصص: 4)

ذكّرهم موسى بنعم الله عليهم أن نجاهم من آل فرعون، وأن الوقت قد حان ليعتزوا بدين ربهم وليأخذوا الكتاب بقوة، وأن يأخذوا حقهم بأيديهم"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت