بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي برأ النَّسم، وأفاض النعم، ومنح القِسم، وسنَّى من توحيده وعبادته العِصم، ذي العزة القاهرة، والقدرة الباهرة، والآلاء المتظاهرة، الذي أوجدنا بعد العدم، وجعلنا الخيار الوسط من الأمم، وخوَّلنا عوارف لا تُحصى، وهدانا شِرعة رمت بنا من رضوانه إلى الغرض الأقصى ..
والصلاة السلام على رسوله محمد الكريم، صفْوته من العباد، وشفيع الخلائق في المعاد، صاحب المقام المحمود، والحوض والمورود، الناهض بأعباء الرسالة والتبليغ الأعصم، والمخصوص بشرف السعاية في الصلاح الأعظم، صلى الله عليه وعلى آله صلاة مستمرة الدوام، جديدة على مر الليالي والأيام ..
ولربنا الحمد كله على أن أنزل إلينا القرآن العزيز، الذي وعدَ فيه وبشّر، وأوْعدَ وحذّر، ونهى وأمر، وأكمل فيه الدين، وجعله الوسيلة الناجعة، والحبل المتين، ويسّره للذكر، وخلّده غابر الدهر، عصمة للمعتصمين، ونورًا ساطعًا في مشكلات المختصمين، وحجة قائمة على العالم، ودعوة شاملة لفِرق بني آدم، كلامه الذي أعجز الفصحاء، وأخرس البلغاء، وشرّف العلماء، له الحمد دائبًا، والشكر واصبًا، لا إله إلا هو رب العرش العظيم.
قال تعالى مُثنيًا على كتابه الكريم وقوله الحكيم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89) قال ابن مسعود رضي الله عنه: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام .. وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم .. (تفسير ابن كثير)
قال السعدي رحمه الله"وقوله {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} : في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية. حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب. وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ"