الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، أما بعدُ:
قد يظن الإنسان أن الشريعة قيدته، فأحكمت عليه الخناق، وحدّت من حريته، فودّ لو أنها لَم تُشرع حتى ينطلق في أفعاله حرًّا (كما يزعم) بعيدًا عن الرقيب والحسيب , ليفعل ما يشاء دون ضابط أو قيد ..
إن الله سبحانه وتعالى شرع هذه الشرائع واستن هذه السنن لتحرير الإنسان من عبادته لشهواته، واستسلامه لها، وانقياده لرغباتها , كي لا يصبح عبدًا مطيعًا لمعصيةٍ أو شهوة لا يستطيع معارضتها أو الوقوف أمام حكمها إلا بانهزام واستسلام، ومثال هذا مدمن الخمر الذي لا يملك من أمره شيئًا سوى الانقياد لهذه الشهوة، فإن أبى إلا التمرد أذاقته في نفسه وفي بدنه الويل حتى يرجع، فيرجع ذليلًا خاضعًا منصاعًا لأمر الأمّارة بالسوء.
وانظر حال هذا وحال مَن يمر على المعاصي والآثام والذنوب مرور العزيز المترفّع، ينظر إلى المعصية، بعد أن ارتفع بالإيمان، فلا ينتكس له رأس، ولا تغرّه الفتنة، ولا يتزعزع، بل ينظر إلى المعصية نظرة الفاحص المتثبت، فيعرف حقيقتها فيزدريها ويستخف بعقل مَن وقع في شراكها.
إن للإنسان هفوات وزلات، والزلة أصغر شأنًا من السجن، فمن حبسته نفسه في معصية , فإن صعوبة الخروج تكون بقدر صلابة جدران الحبس وقوة الإنسان، والزلة تكون كسقوط الإنسان على أرض صلبة سرعان ما يقف مستويًا بقوة إيمانه الذي اكتسبه عبر الأيام، فإن كان ضعيف الإيمان، فإنه يقوم بإذن الله، متّكئًا على عصى الخوف من الله.
إن من أسباب المعصية: تبلد حس الإنسان , وتنكره لخالقه , فينسى قدرة الله وعظمته، وينسى سرّ وجوده , ووظيفته في الحياة. وهذا التبلّد يحصل لأسباب عدّة، منها:
1 -تكرار المشهد: حيث يألف الإنسان المشهد من حياته، فتتولد عنده رتابة أو روتين لا يتجدد، فلا يحصل له التأثير المطلوب من الأحداث أو الكلمات , فتمر عليه مرور من سئمها.
فعلى الإنسان الخروج من هذه الرتابة إلى حياة التجديد في قطب الحلال .. ولو نظر الإنسان إلى داخل نفسه , لوجد أن خلايا جسمه تتجدد باستمرار، و لو أنها بقيت على حالها لمات.
إن التجديد محمود"ساعة و ساعة", والحماس الذي يعقبه عمل طويل يورث السآمة والملل، فأحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها - وإنْ قل -، ولكن لا إفراط ولا تفريط، و القصد في الأُمور من الحكمة.
2 -قد يشتغل الإنسان بطعامه وشرابه وشهواته، يشتغل بمتاع الدنيا القريب عن الآخرة: حياة المسلم وسيلة، وهي ليست مهملة أو غاية في ذاتها."ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
3 -فقدان إرادة الالتزام بأمر الله لأن في نفسه شراهة لا تقنع بما أحله الله: وهذا الإنسان ضعيف في نفسه، حكمته شهوته، وعليه بتحرير نفسه من قيود الرق الشهوانية بكثرة السجود والوقوف بتذلل بين يدي الله، فمن أذل نفسه لله رفعه الله، ومَن رفعه الله ترفّع عن الرزايا.
4 -يكون في نفسه كبر أو استكبار عن عبادة الله: وهذا مريض يحتاج إلى علاج من نوع خاص، فكيف يتكبر الإنسان على مَن له ملكوت كل شيء وإليه المصير، إن إنسانًا هذا شأنه لَم يعرف الله طرفة عين، ودواءه أن يُعرّفَ بالله حق المعرفة، ولا يمرّغُ وجهه في تراب ذُل العبودية إلا العالِم بمقام الربوبية.
5 -الفتنة لما بين يديه من عقل، أو جسم، أو مال، أو بأي شيء مما حباه الله إياه: فيعتقد أنه من عند نفسه , وينسى أنه من عند الله، ويدرك مَن هذا شأنه خطأه إذا أصابته مصيبة أو حلت به كارثة، فحين يعجز الطبيب عن مداواته يدرك أن جسمه في يد من أمرضه فيطلب منه الشفاء.
إن الشيطان يزين للإنسان سوء عمله، ويقلب في عقله موازين الأُمور، فيجعل الحسن قبيحًا , والقبيح حسنًا، المعصية حريّة , والعبادة قيدًا، صلاة خمس دقائق إخلال بالوقت , وساعات المعاصي ملء فراغ الوقت، حفظ القرآن تبديدٌ للزمانِ , وحفظ الأغاني فهمٌ للمعاني، البقاء في المسجد ليس له سبب , والتمشّي في الأسواق تركه من العجب، طلاقة الوجه سفاهة , والعبوس من أُصول الوجاهة.
يا مَن غرّه الشيطان، وقابل جميل نِعَمِ الله عليه بالنُّكران، ارجع إلى الله، ولا تلتفت إلى مَن سواه، إن الإنسان محكوم عليه بفعله، والموت أقرب إلى أحدنا من شِراك نعله، فلا تغُرنّك الأماني، واشترِ الباقيَ بالفاني، واعلم أنك في هذه الدنيا مسافر توشك أن تصل، فجنّةٌ فيها خلود أو نارٌ أنت فيها وقود. اختر لنفسِك، فلا تُكلّفُ إلا نفسَك، والكيّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت.
أيها الإنسان: أنت بين قيود الشيطان وعبادة الرحمن، بين صراطٍ مستقيم وطريق لا يستقيم، فالعقلَ العقلَ ..
"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا"
رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا
رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ""
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: حسين بن محمود