بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يتفكر الإنسان بذلك الموقف الرهيب ويقرأ ذلك الحوار العجيب - الذي دار بين رب العزة سبحانه وتعالى وبين خليله إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة - يقف العقل عاجزًا عن إدراك ما ورائه من حكم وعبر، قال تعالى:
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى!!"
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ..
قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (البقرة:260) "
لم يكن الخليل عليه السلام بمن يشك في قدرة الله وعظمته، وإنما سأل ليزداد يقينًا على يقينه، سأل الله أن يحيي الموتى أمامه ليرى عيانًا ما آمن به غيبا ..
ربما يُعاد الكلام، وتعاد العبارات، وتصاغ الحقائق من جديد وبشكل جديد، لا لشيء إلا ليزداد المرء يقينًا على يقينه، ويزاح الشك عن القلب، وينقلب الظن علما لا يساوره شك، قال تعالى"وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ" (الذاريات: 55) ، فالتذكير هنا لا لنقل المقصود به من حالة الشك أو الكفر إلى العلم اليقيني، ولكن من حالة الإيمان والعلم إلى كمالهما، ولذلك جاء في الآية لفظ"المؤمنين"وليس من دونهم.
إن هذا الزخم الهائل، وتلك الأمواج المتلاطمة من الأفكار والنظريات والعبارات والكلام والصور والأخبار المرئية والمسموعة والمكتوبة، وهذه الجبال الشاهقة من التزييف والتزوير وقلب الحقائق وطمس معالم الحق من قبل طوفان وسائل الإعلام لحري أن تؤثر على قلوب الناس البسطاء، وحتى على كثير من الخواص، فتزرع في قلوبهم الشك والوهم: فتصبح الثوابت قابلة للنقاش، والمتغيرات ثوابت لا يصيبها في القلوب ارتعاش، فتن كقطع الليل المظلم تجعل الحليم حيرانًا!!