ولقب الأنصار اختاره الله تعالى لمن نصر دينه وذبّ عن شريعته بالنفس والنفيس، أخرج ابن مردويه عن غيلان بن جرير، قال: قلت لأنس بن مالك: هذا الأسم"الأنصار"، أنتم سميتموه أنفسكم أو الله تعالى سمّاكم من السماء؟ قال: الله تعالى سمانا من السماء .. (انتهى) ..
لو قارنا زماننا هذا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لرأينا تطابقًا عجيبًا بين حالنا وحال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعرض هذا الأمر على القبائل في مكة في المواسم!! لقد كان عليه الصلاة السلام يطوف على القبائل علّه يجد من يقبل هذه الدعوة ويكون له شرف نصرة هذا الدين .. عرض النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر على قبائل شتى، منها: بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرّة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر، وبنو البَكَّاء، وكِندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
كانت هذه القبائل تعلم ما هي مُقدمة عليه، وتعرف مآله القريب: فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، قال أحدهم (بَيْحَرَة بن فِرَاس) :"والله، لو إني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب"، ثم قال:"أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك"؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم"الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء"
فقال له: أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه. فكان هذا وغيره ممن عرض النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر عليهم يعلمون ما هم مقدمون عليه من معادة العرب وقتالهم ..
وفي بيعة العقبة أخذ أسعد بن زرارة - وهو أصغر سبعين كانوا في البيعة - بيد النبي صلى الله عليه وسلّم قبل ان يبايعه القوم، فقال:"رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله".
فقال الأنصار:"يا أسعد، أمِطْ عنا يدك. فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها"..
وهذا ديننا الآن قد صار إلى ما صار إليه في ذلك العهد: فالذي يختار هذا الدين وهذا الطريق فإن من حوله يناصبونه العداء، ولا أقصد بالدين هنا: دين الدروشة والإرجاء، وإنما أقصد الدين الحق الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلّم، والذي قال فيه ورقة بن نوفل"لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ"، فهذا هو دين