وظاهر الأحاديث أنها في جهاد الطلب لا الدفع الذي هو فرض عين .. إنّ طَلب العلم الشرعي فرض كفاية، والجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء، ولكن إذا دهم العدو بلاد المسلمين يصبح الجهاد فرض عين، ومن المعروف أن فرض العين مقدّم على فرض الكفاية، ونحن في الحقيقة لا نحتاج إلى مزيد من طلبة العلم بقدر ما نحتاج إلى من يصدع بهذا العلم، فالجهر بالحق في زماننا هذا هو فرض العين، وهو آكد ما يكون على العلماء ..
لا يستقيم جهاد بلا علم، فالذي لا يعلم لِمَ يقاتل: فهذا لا يجاهد الجهاد الشرعي، فالنصوص دلّت على أن الجهاد الشرعي هو الذي يكون في سبيل الله، وسبيل الله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - إرادة أن تكون"كلمة الله هي العليا".. من كان من أهل الجهاد فالجهاد في حقه أفضل في هذا الوقت من الجلوس لطلب العلم، فهو يستطيع أن يطلب العلم في أرض الجهاد ولكنه لا يستطيع الجهاد (الذي هو القتال) في حلق العلم، والجهاد إذا كان فرض عين فهو حاضر، والعلم على التراخي، والعبادة الحاضرة مقدّمة على المتراخية، والجمع بين العبادتين أفضل، وهذا لا يتأتى إلا في أرض الجهاد .. والله أعلم ..
2)الفقهاء يُطلقون كلمة أسير على كلّ من يُظفر بهم مِن المقاتلين ومَن في حكمهم، ويؤخذون أثناء الحرب أو في نهايتها، أو من غير حربٍ فعليّةٍ، ما دام العداء قائمًا والحرب محتملة. والحكمة من مشروعية الأسر هي: كسر شوكة العدوّ، ودفع شرّه، وإبعاده عن ساحة القتال، لمنع فاعليّته وأذاه، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين به. والإسلام يدعو إلى الرّفق بالأسرى، وتوفير الطّعام والشّراب والكساء لهم، واحترام آدميّتهم، لقوله تعالى {ويطعمون الطّعام على حبّه مسكينا ويتيمًا وأسيرًا} ، وروي أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ صائفٍ:"أحسنوا إسارهم، وقيّلوهم، واسقوهم"وقال:"لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح ..."وقال الفقهاء: إن رأى الإمام قتل الأسارى فينبغي له ألاّ يعذّبهم بالعطش والجوع، ولكنّه يقتلهم قتلًا كريمًا. ويجوز حبس الأسرى، ليؤمن منعهم من الفرار، فقد جاء في الصّحيحين أنّ الرّسول حبس في مسجد المدينة".."
ويرجع الأمر في أسرى الحربيّين إلى الإمام، أو من ينيبه عنه. وجعل جمهور الفقهاء مصائر الأسرى بعد ذلك، وقبل إجراء قسمة الغنائم بين الغانمين، في أحد أمور: فقد نصّ الشّافعيّة والحنابلة على تخيير الإمام في الرّجال البالغين من أسرى الكفّار بين: قتلهم، أو استرقاقهم، أو المنّ عليهم، أو مفاداتهم بمالٍ أو نفسٍ. أمّا الحنفيّة فقد قصروا التّخيير على ثلاثة أمورٍ فقط: القتل، والاسترقاق، والمنّ عليهم بجعلهم أهل ذمّةٍ على الجزية، ولم يجيزوا المنّ عليهم دون قيدٍ، ولا الفداء بالمال إلاّ عند محمّد بن الحسن بالنّسبة للشّيخ الكبير، أو إذا كان المسلمون بحاجةٍ للمال. وأمّا مفاداتهم بأسرى المسلمين فموضع خلافٍ عندهم. وذهب مالكٌ إلى أنّ الإمام يخيّر في الأسرى بين خمسة أشياء: فإمّا أن يقتل، وإمّا أن يسترقّ، وإمّا أن يعتق، وإمّا أن يأخذ فيه الفداء، وإمّا أن يعقد عليه الذّمّة ويضرب عليه الجزية، والإمام مقيّدٌ في اختياره بما يحقّق مصلحة المسلمين .. والله اعلم ..