غزاة بدر أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد. قال الزجاج: والإثخان في كل شيء: قوة الشيء وشدته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتدت قوته عليه. والمعنى: حتى يبالغ في قتل أعدائه. (انظر: زاد المسير لابن الجوزي) ..
وحيث إن الأمر كان قد استقر على رأي الصديق فقد أخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألف درهم، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداء.
ومنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدة من الأسارى فأطلقهم بغير فداء، منهم: المطلب ابن حَنْطَب، وصَيْفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجُمَحِى، وهو الذي قتله أسيرا في أحد. فالحاصل: ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أسارى بدر فعاتبه الله تعالى على ذلك، ثم جعله مخيرًا بين المن والفداء والقتل والإسترقاق (كما فصّلت في غير هذا الموضع) ، ولقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم أسرى بعد بدر صبرًا، وأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دم تسعة نفر من الكفار في فتح مكة، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد العزى بن خطل، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن الأخطل، كانت تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وهي التي وجد معها كتاب حاطب.
فأما ابن أبي سرح فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشفع فيه، فحقن دمه، وقبل إسلامه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة. وأما عكرمة بن أبي جهل، ففر إلى اليمن، فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته، فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه. وأما ابن خطل فكان متعلقًا بأستار الكعبة، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال:"اقتله"فقتله. وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبدالله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، ثم ارتد ولحق بالمشركين.
وأما الحارث فكان شديد الأذى لرسول الله بمكة، فقتله علي. وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان قد عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ففر هبار يوم مكة ثم أسلم وحسن إسلامه. وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى فأسلمت، كما استؤمن لسارة وأسلمت. . ولقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام مخير فيهم: إن شاء قتل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر أو بمنْ أسر من المسلمين كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر .. والله أعلم ..