وأما سائر هذا الحديث وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة ، وهي من
وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله عَزَّ وَجَلَّ ، الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف
عند السلف ، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في هذا الحديث- ، أو الانتقال- كما يفعل ابن الجوزي وغيره -،
ثم يقولون: هذا من صفات المخلوقات ، فلا يجوز وصف الله بذلك! والحقيقة أن
المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا ، وهو صفة لله ، وصف بها نفسه ، نصفه بها
دون تشبيه ولا تعطيل ، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، فهم وقعوا حين
عبَّروا بما تقدم في التشبيه ، ففروا منه إلى التعطيل .
فما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الأول من كتابه العظيم
"منهاج السنة":
"المشبه يعبد صنمًا ، والمعطل يعبد عدمًا ، المشبه أعشى ، والمعطل أعمى".
ومما يبطل هذاالحديث قوله:"فإنه في كل مكان"، فإن الله عَزَّ وَجَلَّ كان ولا
مكان ، وهو الغني عن العالمين - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله - فتنبه!
ولما رأى بعض المعطلة المعاصرين أن وصف الله عَزَّ وَجَلَّ بأنه في كل مكان لا
يقف أمام أدلة الشرع والعقل - كما سبق هناك - ، لجأ إلى التستر والمراوغة والتدليس،
فقال ذلك الجاهل الغماري في تعليقه (ص 127) :
"وهنا أمر مهم جدًا وهو: أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان البتة ، بل"
نكفر من يقول ذلك ، ونعتقد أن الله موجود بلا مكان ، لأنه خالق المكان"!"
وفي هذا الكلام من هذا الجاهل المدلس أمور مهمة ، يجب التنبيه عليها أو
على بعضها على الأقل ، مبتدئًا منها بالأهم: