وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فَصْلٌ:
قَدْ ذَكَرْت فِيمَا تَقَدَّمَ: الْكَلَامُ عَلَى"الْمُلْكِ": هَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا وَلَكِنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَأَفْضَلُ مِنْهُ ؟ أَمْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةٌ ؟ وَإِنَّمَا تَجْوِيزٌ تَرْكِهَا إلَى الْمُلْكِ لِلْعُذْرِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ ؟ تَكَلَّمْت عَلَى ذَلِكَ . وَأَمَّا فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا ؛ فَإِنَّ الْمُلْكَ جَائِزٌ ؛ كَالْغِنَى يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ تَارَةً وَلِلصَّالِحِينَ أُخْرَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَاوُد: { وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } وَقَالَ عَنْ سُلَيْمَانَ: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } وَقَالَ عَنْ يُوسُفَ: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَنْبِيَاءٍ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ آتَاهُمْ الْمُلْكَ وَقَالَ: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } فَهَذَا مُلْكٌ لِآلِ إبْرَاهِيمَ وَمُلْكٌ لِآلِ دَاوُد وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } قَالَ: النُّبُوَّةُ فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ نَفْسَهَا مُلْكًا .