{ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } . فَكَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ . فَإِنَّ"إرَادَتَهُ للمستقبلات"هِيَ مَسْبُوقَةٌ"بِإِرَادَتِهِ لِلْمَاضِي" { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وَهُوَ إنَّمَا أَرَادَ"هَذَا الثَّانِيَ"بَعْدَ أَنْ أَرَادَ قَبْلَهُ مَا يَقْتَضِي إرَادَتَهُ ؛ فَكَانَ حُصُولُ الْإِرَادَةِ اللَّاحِقَةِ بِالْإِرَادَةِ السَّابِقَةِ .
وَالنَّاسُ قَدْ اضْطَرَبُوا فِي"مَسْأَلَةِ إرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهَا وَرَجَّحَ الرَّازِي هَذَا فِي"مَطَالِبِهِ الْعَالِيَةِ"لَكِنْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - نَحْنُ قَرَّرْنَاهَا وَبَيَّنَّا فَسَادَ الشُّبَهِ الْمَانِعَةِ مِنْهَا ؛ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُوَ الْحَقُّ الْمَحْضُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ وَأَنَّ"صَرِيحَ الْمَعْقُولِ مُوَافِقٌ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ". وَكُنَّا قَدْ بَيَّنَّا"أَوَّلًا"أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَارَضَ دَلِيلَانِ قَطْعِيَّانِ سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَوْ سَمْعِيَّيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا وَالْآخَرُ سَمْعِيًّا ؛ ثُمَّ بَيَّنَّا بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَّهَا مُتَوَافِقَةٌ مُتَنَاصِرَةٌ مُتَعَاضِدَةٌ . فَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ السَّمْعِ وَالسَّمْعُ يُبَيِّنُ صِحَّةَ الْعَقْلِ وَأَنَّ مَنْ سَلَكَ أَحَدَهُمَا أَفْضَى بِهِ إلَى الْآخَرِ .