الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ لَا يُفِيدُ عِلْمًا إلَّا بِوَاسِطَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ . فَلَا بُدَّ مِنْ كُلِّيَّةٍ جَامِعَةٍ ثَابِتَةٍ فِي كُلِّ قِيَاسٍ . وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ أَيْضًا . وَلِهَذَا قَالُوا: لَا قِيَاسَ عَنْ سَالِبَتَيْنِ وَلَا عَنْ جُزْئِيَّتَيْنِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعُلُومُ الْكُلِّيَّةُ الْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةُ هِيَ أُصُولَ الْأَقْيِسَةِ وَالْأَدِلَّةَ وَقَوَاعِدَهَا الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا وَتَحْتَاجُ إلَيْهَا . ثُمَّ قَالُوا: إنَّ مَبَادِئَ الْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ هِيَ الْعُلُومُ الْيَقِينِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْحِسِّيَّاتُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ وَالْعَقْلِيَّاتُ وَالْبَدِيهِيَّاتُ والمتواترات وَالْمُجَرَّبَاتُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: الْحَدْسِيَّاتُ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ ؛ إذْ الْحِسُّ الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ لَا يُدْرِكُ إلَّا أُمُورًا مُعَيَّنَةً لَا تَكُونُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ أَدْرَكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ بِالْحِسِّ فَهِيَ تَبَعٌ لِلْحِسِّيَّاتِ . وَكَذَلِكَ التَّجْرِبَةُ إنَّمَا تَقَعُ عَلَى أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ مَحْسُوسَةٍ . وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ عَلَى النَّظَائِرِ بِالتَّشْبِيهِ وَهُوَ قِيَاسُ التَّمْثِيلِ وَالْحَدْسِيَّاتِ - عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُهَا مِنْهُمْ - مِنْ جِنْسِ التَّجْرِيبِيَّاتِ . لَكِنَّ الْفَرْقَ: أَنَّ التَّجْرِبَةَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُجَرِّبِ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ