فهرس الكتاب

الصفحة 16526 من 16874

بَغْيًا وَظُلْمًا أَوْ عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُومَ النَّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ ، وَلَا يُوجِبُ لَعْنَتَهُمْ ؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِك مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ ؟ وَكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِيًا ، أَوْ ظَالِمًا ، أَوْ مُعْتَدِيًا ، أَوْ مُرْتَكِبًا مَا هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ"قِسْمَانِ"مُتَأَوِّلٌ ، وَغَيْرُ مُتَأَوِّلٍ ، فَالْمُتَأَوِّلُ الْمُجْتَهِدُ: كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ ، الَّذِينَ اجْتَهَدُوا ، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ حِلَّ أُمُورٍ ، وَاعْتَقَدَ الْآخَرُ تَحْرِيمَهَا كَمَا اسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ ، وَبَعْضُهُمْ بَعْضَ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ بَعْضَ عُقُودِ التَّحْلِيلِ وَالْمُتْعَةِ ، وَأَمْثَالُ ذَلِك ، فَقَدْ جَرَى ذَلِك وَأَمْثَالُهُ مِنْ خِيَارِ السَّلَفِ . فَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ . وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ إنَّمَا حَكَمَا فِي الْحَرْثِ ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ ، مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ . وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِذَا فَهِمَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِك مَلُومًا وَلَا مَانِعًا لِمَا عُرِفَ مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِك مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ يَكُون إثْمًا وَظُلْمًا ، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ فِسْقًا ، بَلْ مَتَى عُلِمَ تَحْرِيمُهُ ضَرُورَةً كَانَ تَحْلِيلُهُ كُفْرًا . فَالْبَغْيُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت