ثُمَّ نفاة الصِّفَاتِ يَقُولُونَ: رَجَحَ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْقَدَرِيَّةِ . وَالْمُعْتَزِلَةُ جَمَعَتْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ . وَأَمَّا الْمُثْبِتَةُ كالْكُلَّابِيَة والكَرَّامِيَة فَيَدَّعُونَ أَنَّهُ رَجَحَ بِمَشِيئَةِ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ . وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مِمَّا يُنْكِرُهُ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ . وَلِهَذَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ كالرَّازِي وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ - كالشَّهْرَستَانِي وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ طَوَائِفِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ - لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ إلَّا الْعِلَّةُ الْفَلْسَفِيَّةُ أَوْ الْقَادِرِيَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ أَوْ الْإِرَادِيَّةُ الْكُلَّابِيَة . وَكُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُنْكَرٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ بُحُوثُ الرَّازِي فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ عَلَى قَوْلِ الدَّهْرِيَّةِ أَظْهَرُ دَلَالَةً . وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَيَقُولُونَ: لَوْ وُجِدَتْ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا ؛ لَكُنَّا إذَا قَدَّرْنَا مَا وُجِدَ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَمَا وُجِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقَابَلْنَا بَيْنَهُمَا ؛ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا - وَهُوَ مُمْتَنِعٌ - لِأَنَّهُ يَكُونُ الزَّائِدُ مِثْلَ النَّاقِصِ وَإِمَّا أَنْ يَتَفَاضَلَا فَيَكُونُ فِيمَا لَا يُتَنَاهَى تَفَاضَلَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ . وَيَذْكُرُونَ حُجَجًا أُخْرَى قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذِهِ"الْحُجَّةِ"وَنَحْوِهَا وَبَيَّنُوا فَسَادَهَا ؛ بِأَنَّ التَّفَاضُلَ إنَّمَا يَقَعُ مِنْ الطَّرَفِ الْمُتَنَاهِي لَا مِنْ الطَّرَف الَّذِي لَا يَتَنَاهَى وَبِأَنَّ هَذَا