فهرس الكتاب

الصفحة 2451 من 16874

ثُمَّ"قُرْبُ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ"هَلْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْقُرْبِ كَمَا أَنَّ الْمُتَقَرِّبَ إلَى الشَّيْءِ السَّاكِنِ كَالْبَيْتِ الْمَحْجُوجِ وَالْجِدَارِ وَالْجَبَلِ كُلَّمَا قَرُبْت مِنْهُ قَرُبَ مِنْك ؟ أَوْ هُوَ قُرْبٌ آخَرُ يَفْعَلُهُ الرَّبُّ كَمَا أَنَّك إذَا قَرُبْت إلَى الشَّيْءِ الْمُتَحَرِّكِ إلَيْك تَحَرَّكَ أَيْضًا إلَيْك فَمِنْك فِعْلٌ وَمِنْهُ فِعْلٌ آخَرُ . هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ"لِأَهْلِ السُّنَّةِ"مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَاعِدَةِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ كَمَسْأَلَةِ النُّزُولِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ . وَعَلَى هَذَا فَمَا رُوِيَ مِنْ قُرْبِ الرَّبِّ إلَى خَوَاصِّ عِبَادِهِ وَتَجَلِّيهِ لِقُلُوبِهِمْ كَمَا فِي"الزُّهْدِ لِأَحْمَدَ"أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَيْنَ أَجِدُك ؟ قَالَ:"عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي أَقْتَرِبُ إلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ شِبْرًا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَرَقَتْ". هَذَا الْقُرْبُ عِنْدَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْجَهْمِيَّة هُوَ مُجَرَّدُ ظُهُورِهِ وَتَجَلِّيهِ لِقَلْبِ الْعَبْدِ فَهُوَ قُرْبُ الْمِثَالِ . ثُمَّ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا تُثْبِتُ حَرَكَةَ الرُّوحِ وَالْجَهْمِيَّة تُسَلِّمُ جَوَازَ حَرَكَةِ الرُّوحِ إلَى مَكَانٍ عَالٍ وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَعِنْدَهُمْ مَعَ التَّجَلِّي وَالظُّهُورِ تَقْرُبُ ذَاتُ الْعَبْدِ إلَى ذَاتِ رَبِّهِ وَفِي جَوَازِ دُنُوِّ ذَاتِ اللَّهِ الْقَوْلَانِ وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .

وَعَلَى مَذْهَبِ"الْنُّفَاةِ"مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ لَا يَكُونُ إتْيَانُ الرَّبِّ وَمَجِيئُهُ وَنُزُولُهُ إلَّا تَجَلِّيهِ وَظُهُورُهُ لِعَبْدِهِ . إذَا ارْتَفَعَتْ الْحُجُبُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْعَبْدِ الْمَانِعَةُ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ الظَّاهِرَةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي كَانَ أَعْمَى أَوْ أَعْمَشَ فَزَالَ عَمَاهُ فَرَأَى الشَّمْسَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت