ثُمَّ قَدْ يُحَاذِي تِلْكَ الْمِرْآةَ مِرْآةٌ أُخْرَى فَتَرَى فِيهَا الصُّورَةَ الَّتِي رُئِيَتْ فِي الْأُولَى وَيَتَسَلَّلُ الْأَمْرُ فِيهِ . وَهَذِهِ المرائي الْمُنْعَكِسَةُ تُشْبِهُ مِنْ وَجْهٍ بَعِيدٍ ظُهُورَ اسْمِ الْمَحْبُوبِ الْمُعَظَّمِ فِي الْوَرَقِ بِالْخَطِّ وَالْكِتَابَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِمِدَادِ أَوْ بِتَنْقِيرِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ هُنَا لَمْ يَظْهَرْ إلَّا حُرُوفُ اسْمِهِ فِي جِسْمٍ لَا حِسَّ لَهُ وَلَا حَرَكَةَ وَفِي الْأَجْسَامِ الصقلية ظَهَرَتْ صُورَتُهُ ؛ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِالْمَظْهَرِ وَلَا حَرَكَةٍ فَالْأَوَّلُ مَظْهَرُ اسْمِهِ وَهَذَا مَظْهَرُ ذَاتِهِ . وَأَمَّا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ وَأَرْوَاحِهِمْ: فَيَظْهَرُ الْمَعْرُوفُ الْمَحْبُوبُ الْمُعَظَّمُ وَأَسْمَاؤُهُ فِي الْقَلْبِ الَّذِي يَعْلَمُهُ وَيُحِبُّهُ . وَذَلِكَ نَوْعٌ أَكْمَلُ وَأَرْفَعُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ . وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: { كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } وَهُوَ الَّذِي قَالَ: { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } وَقَالَ: { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وَقَوْلُهُ: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } .