الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَأَصْحَابِ"رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا"وَنَحْوِهِمْ . وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ - فِي الْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ المحاسبي فِي كِتَابِ"فَهْمِ الْقُرْآنِ"فَتَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ: { حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ } وَنَحْوَهُ وَبَيَّنَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ ؛ وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الْمَعْلُومُ . إلَى أَنْ قَالَ: وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِينَا وَنَحْنُ جُهَّالٌ وَعِلْمُنَا مُحْدَثٌ قَدْ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مَيِّتٌ فَكُلَّمَا مَاتَ إنْسَانٌ قُلْنَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَكُونَ مِنْ قَبْلِ مَوْتِهِ جَاهِلِينَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ إلَّا أَنَّا قَدْ يَحْدُثُ لَنَا اللَّحْظُ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَحَرَكَةِ الْقَلْبِ إذَا نَظَرْنَا إلَيْهِ مَيِّتًا لِأَنَّهُ مَيِّتٌ وَاَللَّهُ لَا تَحْدُثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ . إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ } وَقَوْلُهُ: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً } وَقَوْلُهُ: { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } . وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ بِبَدْءِ الْحَوَادِثِ: إرَادَةً حَدَثَتْ لَهُ وَلَا أَنْ يَسْتَأْنِفَ مَشِيئَةً لَمْ تَكُنْ لَهُ ؛ وَذَلِكَ فِعْلُ الْجَاهِلِ بِالْعَوَاقِبِ الَّذِي يُرِيدُ الشَّيْءَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْعَوَاقِبَ فَلَمْ يَزَلْ يُرِيدُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ ؛ لَمْ يَسْتَحْدِثْ إرَادَةً لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَاتِ إنَّمَا تَحْدُثُ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْلَمُ الْمُرِيدُ ؛ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ . فَقَدْ أَرَادَ مَا عَلِمَ عَلَى مَا عَلِمَ ؛ لَا يَحْدُثُ لَهُ بُدُوٌّ ؛ إذْ كَانَ لَا يَحْدُثُ فِيهِ عِلْمٌ بِهِ .