قَالَ هَؤُلَاءِ: فَهَذَا عُمْدَةُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ . وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ وَحُدُوثُ حَادِثٍ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ مُمْتَنِعٌ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ . وَلِهَذَا لَمَّا أَجَابَهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةِ مُتَعَدِّدَةٍ كَانَتْ كُلُّهَا فَاسِدَةً مِثْلُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُرَجِّحُ هُوَ الْعِلْمُ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ هُوَ الْإِرَادَةُ ؛ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُرَجِّحُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ قَادِرًا ؛ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُرَجِّحُ إمْكَانُ الْفِعْلِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ ؛ لَا امْتِنَاعُهُ فِي الْأَزَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَقَالُوا هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ بَاطِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ: ( أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ؛ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْثِيرِ إنْ كَانَتْ أَزَلِيَّةً لَزِمَ كَوْنُ الْأَثَرِ أَزَلِيًّا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا غَيْرَ أَزَلِيٍّ ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ رُجْحَانُ وُجُودِ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَحَدَثَتْ الْحَوَادِثُ بِلَا مُحْدِثٍ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أُحْدِثَ تَمَامُ الْمُؤَثَّرِ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُؤَثِّرُ تَامًّا فِي الْأَزَلِ: حَدَثَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ . وَ"الْوَجْهُ الثَّانِي": أَنَّ نِسْبَةَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَنَفْسِ الْأَزَلِ إلَى وَقْتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ كَنِسْبَتِهِ إلَى مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ . فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ هِيَ الْمُوجِبَةَ لِوُجُودِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ . قَالَ الرَّازِي فِي"كِتَابِهِ الْكَبِيرِ": وَالْجَوَابُ الْبَاهِرُ أَنْ نَقُولَ: كَانَتْ النَّفْسُ أَزَلِيَّةً وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ دَائِمًا ؛ ثُمَّ حَصَلَ مِنْ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْمُتَعَاقِبَةِ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ كَانَتْ هِيَ سَبَبَ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَبِهَذَا ثَبَتَ السَّبَبُ الْحَادِثُ الْمُوجِبُ لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ فِيهِ وَعَلَى هَذَا فَالْأَجْسَامُ حَادِثَةٌ وَهُوَ مُوجَبُ أَدِلَّةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْفَاعِلُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِقِدَمِ النَّفْسِ الْمَعْلُولَةِ لَهُ ؛ وَهُوَ مُوجَبُ أَدِلَّةِ