مِنْ الْبَشَرِ وَالرَّسُولُ يَتَضَمَّنُ الْمُرْسَلَ فَبَيَّنَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّسُولَيْنِ بَلَّغَهُ لَمْ يُحَدِّثْ هُوَ مِنْهُ شَيْئًا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَقَالَ: عَمَّا يَنْزِلُ مِنْهُ جَدِيدًا بَعْدَ نُزُولِ غَيْرِهِ قَدِيمًا: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } وَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ وَقْتًا مُعَيَّنًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى } وَقَالَ: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } . وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّهُ"مَخْلُوقٌ"لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهَذَا حَقٌّ لَكِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ بِمَشِيئَتِهِ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ . فَغَلِطُوا وَلَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَضَمُّوا مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ إلَى مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ . وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّهُ"قَدِيمٌ"لَيْسَ مَعَهُمْ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لَكِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَأَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ وَلَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَأُولَئِكَ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: { جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } بِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَائِنًا عَنْهُ مَخْلُوقًا وَقَالُوا: جَعَلَ - بِمَعْنَى خَلَقَ - وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: جَعَلْنَاهُ سَمَّيْنَاهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا } وَهَذَا إنَّمَا يُقَالُ: فِيمَنْ اعْتَقَدَ فِي الشَّيْءِ صِفَةً حَقًّا أَوْ بَاطِلًا إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ خَفِيَّةً فَيُقَالُ: أَخْبَرَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَوْنُ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْبَارِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالرَّبُّ تَعَالَى اخْتَصَّ بِجَعْلِهِ عَرَبِيًّا فَإِنَّهُ