فَإِذَا تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ حَالَ نَفْسِهِ وَحَالَ جَمِيعِ النَّاسِ ؛ وَجَدَهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ شَيْءٍ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَتَنْتَهِي إلَيْهِ مَحَبَّتُهَا ؛ وَهُوَ إلَهُهَا . وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تَثِقُ بِهِ وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي نَيْلِ مَطْلُوبِهَا هُوَ مُسْتَعَانُهَا ؛ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِذًا فَقَدْ يَكُونُ عَامًّا وَهُوَ الْكُفْرُ ، كَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مُطْلَقًا ، وَسَأَلَ غَيْرَ اللَّهِ مُطْلَقًا ، مِثْلَ عُبَّادِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ الْحَاجَاتِ ، وَيَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ فِي النَّوَائِبِ . وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا فِي الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الْمَالِ ، أَوْ حُبُّ شَخْصٍ ، أَوْ حَبُّ الرِّيَاسَةِ ، حَتَّى صَارَ عَبْدَ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ: إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ } وَكَذَلِكَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الثِّقَةُ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَهُ مَخْدُومُهُ مِنْ الرُّؤَسَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، أَوْ خَادِمُهُ مِنْ الْأَعْوَانِ وَالْأَجْنَادِ وَنَحْوِهِمْ ، أَوْ أَصْدِقَائِهِ أَوْ أَمْوَالِهِ هِيَ الَّتِي تَجْلِبُ الْمَنْفَعَةَ الْفُلَانِيَّةَ وَتَدْفَعُ الْمَضَرَّةَ الْفُلَانِيَّةَ ، فَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهَا وَمُسْتَعِينٌ بِهَا وَالْمُسْتَعَانُ هُوَ مَدْعُوٌّ وَمَسْئُولٌ . وَمَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَلْزِمُ الْعِبَادَةُ الِاسْتِعَانَةَ ، فَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ فِي رِزْقِهِ وَنَصْرِهِ وَنَفْعِهِ وَضُرِّهِ ؛ خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ ؛ وَانْقَادَ وَأَحَبَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ لَمْ يُحِبَّهُ لِذَاتِهِ لَكِنْ قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْحَالُ حَتَّى يُحِبَّهُ لِذَاتِهِ ، وَيَنْسَى مَقْصُودَهُ مِنْهُ ؛ كَمَا يُصِيبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُحِبُّ الْمَالَ أَوْ يُحِبُّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْعِزُّ وَالسُّلْطَانُ . وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّهُ الْقَلْبُ وَأَرَادَهُ وَقَصَدَهُ ؛ فَقَدْ لَا يَسْتَعِينُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا اسْتَشْعَرَ قُدْرَتَهُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ ؛ كَاسْتِشْعَارِ الْمُحِبِّ قُدْرَةَ الْمَحْبُوبِ عَلَى وَصْلِهِ