الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ مِنْ أَسْمَاءِ الْآلَاتِ الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا رَوَى عَنْهُ نَبِيُّهُ فِي عَبْدِهِ الْمَحْبُوبِ: { فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَعْقِلُ وَبِي يَنْطِقُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَسْعَى } وَالْمُسْلِمُ يَقُولُ: اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ وَاعْتَصَمْت بِهِ . وَإِذَا كَانَ مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ: الْأَعْيَانُ وَالصِّفَاتُ يُسْتَدَلُّ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ حَيَّةً أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ بَلْ وَيُسْتَدَلُّ بِالْمَعْدُومِ ؛ فَلَأَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ أَوْلَى وَأَحْرَى عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ:"يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِك الصَّالِحِينَ": يَقْتَضِي أَنَّ تَسْمِيَتَهُ دَلِيلًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَالٌّ لِعِبَادِهِ لَا بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ كَمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَا لَا يَقْصِدُ الدَّلَالَةَ وَالْهِدَايَةَ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ . وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْهَادِي وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا الْبُرْهَانُ ؛ وَلِهَذَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: عَرَفْت الْأَشْيَاءَ بِرَبِّي وَلَمْ أَعْرِفْ رَبِّي بِالْأَشْيَاءِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الدَّلِيلُ لِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ؛ وَإِنْ كَانَ كُلَّ شَيْءٍ - لِئَلَّا يُعَذِّبَنِي - عَلَيْهِ دَلِيلًا . وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك ؟ فَقَالَ: مَنْ طَلَبَ دِينَهُ بِالْقِيَاسِ: لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ خَارِجًا عَنْ الْمِنْهَاجِ ظَاعِنًا فِي الِاعْوِجَاجِ: عَرَفْته بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفْته بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ؛ فَأَخْبَرَ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَلْبِ حَصَلَتْ بِتَعْرِيفِ اللَّهِ وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ وَأَنَّ وَصْفَ اللِّسَانِ حَصَلَ بِكَلَامِ اللَّهِ وَهُوَ نُورُ الْقُرْآنِ .