ذَلِكَ إمَّا نِزَاعًا لَفْظِيًّا وَإِمَّا نِزَاعًا لَا يُعْقَلُ وَإِمَّا نِزَاعًا مَعْنَوِيًّا وَذَلِكَ كَقَوْلِ مَنْ زَعَمَ: أَنَّ الْعَبْدَ كَاسِبٌ لَيْسَ بِفَاعِلِ حَقِيقَةً وَجَعَلَ الْكَسْبَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَأَثْبَتَ لَهُ قُدْرَةً لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْمَقْدُورِ وَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: إنَّ هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا تَأْثِيرٌ أَصْلًا فِي الْفِعْلِ كَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَلَمْ تَكُنْ قُدْرَةً ؛ بَلْ كَانَ اقْتِرَانُهَا بِالْفِعْلِ كَاقْتِرَانِ سَائِرِ صِفَاتِ الْفَاعِلِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَلَوْنِهِ . وَلَمَّا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: مَا الْكَسْبُ ؟ قَالُوا: مَا وُجِدَ بِالْفَاعِلِ وَلَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ مُحْدَثَةٌ أَوْ مَا يُوجَدُ فِي مَحَلِّ الْقُدْرَةِ الْمُحْدَثَةِ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَا الْقُدْرَةُ ؟ قَالُوا: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَحَرَكَةِ الْمُخْتَارِ ؛ فَقَالَ لَهُمْ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: حَرَكَةُ الْمُخْتَارِ حَاصِلَةٌ بِإِرَادَتِهِ دُونَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِقُدْرَتِهِ أَيْضًا فَإِنْ جَعَلْتُمْ الْفَرْقَ مُجَرَّدَ الْإِرَادَةِ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يُرِيدُ فِعْلَ غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ فَاعِلًا لَهُ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَقَدْ عَادَ الْأَمْرُ إلَى مَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمَعْقُولُ مِنْ الْقُدْرَةِ مَعْنًى بِهِ يَفْعَلُ الْفَاعِلُ وَلَا تَثْبُتُ قُدْرَةٌ لِغَيْرِ فَاعِلٍ وَلَا قُدْرَةٌ يَكُونُ وُجُودُهَا أَوْ عَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَاعِلِ سَوَاءً . وَهَؤُلَاءِ الْمُتَّبِعُونَ لِجَهْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلِ حَقِيقَةً ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَاسِبٌ حَقِيقَةً وَيُثْبِتُونَ مَعَ الْكَسْبِ قُدْرَةً لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْكَسْبِ بَلْ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءٌ وَلَكِنْ قُرِنَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ فِيهِ وَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ وَالْأَسْبَابِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ