فهرس الكتاب
لَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا التَّمَتُّعُ بِالْمَخْلُوقَاتِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ غَلِطَ مِنْ الْمَشَايِخِ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ: { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } قَالَ فَأَيْنَ مَنْ يُرِيدُ اللَّهَ وَقَالَ آخَرُ فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } قَالَ إذَا كَانَتْ النُّفُوسُ وَالْأَمْوَالُ بِالْجَنَّةِ فَأَيْنَ النَّظَرُ إلَيْهِ وَكُلُّ هَذَا لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا النَّظَرُ . وَ"التَّحْقِيقُ"أَنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الدَّارُ الْجَامِعَةُ لِكُلِّ نَعِيمٍ وَأَعْلَى مَا فِيهَا النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي يَنَالُونَهُ فِي الْجَنَّةِ ؛ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ النُّصُوصُ . وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ فَإِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ مَعَ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ إذَا كَانَ عَارِفًا بِمَا يَقُولُ فَإِنَّمَا قَصْدُهُ أَنَّك لَوْ لَمْ تَخْلُقْ نَارًا أَوْ لَوْ لَمْ تَخْلُقْ جَنَّةً لَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْبُدَ وَيَجِبُ التَّقَرُّبُ إلَيْك وَالنَّظَرُ إلَيْك وَمَقْصُودُهُ بِالْجَنَّةِ هُنَا مِمَّا يَتَمَتَّعُ فِيهِ الْمَخْلُوقُ . وَأَمَّا عَمَلُ الْحَيِّ بِغَيْرِ حُبٍّ وَلَا إرَادَةٍ أَصْلًا فَهَذَا مُمْتَنِعٌ وَإِنْ تَخَيَّلَهُ بَعْضُ الغالطين مِنْ النُّسَّاكِ وَظَنَّ أَنَّ كَمَالَ الْعَبْدِ أَنْ لَا تَبْقَى لَهُ إرَادَةٌ أَصْلًا فَذَاكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي حَالِ الْفَنَاءِ وَالْفَانِي - الَّذِي يَشْتَغِلُ بِمَحْبُوبِهِ - لَهُ إرَادَةٌ وَمَحَبَّةٌ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُ بِهَا فَوُجُودُ الْمَحَبَّةِ شَيْءٌ وَالْإِرَادَةُ شَيْءٌ وَالشُّعُورُ بِهَا شَيْءٌ آخَرُ . فَلَمَّا لَمْ يَشْعُرُوا بِهَا ظَنُّوا انْتِفَاءَهَا وَهُوَ غَلَطٌ ؛ فَالْعَبْدُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ قَطُّ إلَّا عَنْ حُبٍّ وَبُغْضٍ وَإِرَادَةٍ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ } فَكُلُّ إنْسَانٍ لَهُ حَرْثٌ وَهُوَ الْعَمَلُ وَلَهُ هَمٌّ وَهُوَ أَصْلُ