وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَبْلَ مَا يُوصَفُ بِالْقَبْلِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الْفِعْلِ وَالْحَرَكَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْأَزَلِ فَقَدْ عَرَفَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ يُنَازِعُونَهُ فِي هَذَا مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ أَدَاتَانِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ كَمَا يُعَبِّرُ الْإِنْسَانُ عَمَّا قَامَ بِهِ مِنْ الطَّلَبِ . تَارَةً بِالْبَنَانِ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ وَتَارَةً بِالرَّأْسِ عِنْدَ طَلَبِ الرَّوَاحِ وَعِنْدَ طَلَبِ الْإِتْيَانِ فَهَذَا مَذْهَبُ الْحَقِّ وَمَرْكَبُ الصِّدْقِ . فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا عَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٌ:"أَحَدُهَا"أَنْ يُقَالَ: مَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ ؟ أَهُوَ وَاحِدٌ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ وَهُوَ عِنْدَهُ مَدْلُولُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَدْلُولُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالدِّينِ وَمَدْلُولِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَسُورَةِ الْكَوْثَرِ ؟ أَمْ هُوَ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ ؟ فَإِنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ: كَانَ فَسَادُهُ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ثُمَّ يُقَالُ: التَّصْدِيقُ فَرْعُ التَّصَوُّرِ وَنَحْنُ لَا نَتَصَوَّرُ هَذَا فَبَيِّنْ لَنَا مَعْنَاهُ . ثُمَّ تَكَلَّمْ عَلَى إثْبَاتِهِ فَإِنْ قَالَ: هُوَ نَظِيرُ الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ فِينَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ بَعْدَ النُّزُولِ عَمَّا يَحْتَمِلُهُ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِينَا مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَإِمَّا مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ أَمْرٌ بِكُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ وَخَبَرٌ عَنْ كُلِّ مَخْبَرٍ عَنْهُ فَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ .