فهرس الكتاب
{ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا } لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ لِأَنَّهُ مَا عُدِمَ مِنْ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ { أَدْعُو إلَى اللَّهِ } فَهَذَا عَيْنُ الْمَكْرِ { عَلَى بَصِيرَةٍ } فَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ كُلَّهُ فَأَجَابُوهُ مَكْرًا كَمَا دَعَاهُمْ - إلَى أَنْ قَالَ - فَقَالُوا فِي مَكْرِهِمْ: { لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } . فإنهم إذَا تَرَكُوهُمْ جَهِلُوا مِنْ الْحَقِّ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ وَجْهًا خَاصًّا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَهُ وَيَجْهَلُهُ مَنْ جَهِلَهُ فِي الْمُحَمَّدِيِّينَ: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } أَيْ حَكَمَ فَالْعَالِمُ يَعْلَمُ مَنْ عَبَدَ وَفِي أَيِّ صُورَةِ ظَهَرَ حَتَّى عَبَدَ وَأَنَّ التَّفْرِيقَ وَالْكَثْرَةَ كَالْأَعْضَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَحْسُوسَةِ وَكَالْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ فِي الصُّورَةِ الرُّوحَانِيَّةِ . فَمَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ ؛ فَالْأَدْنَى مَنْ تَخَيَّلَ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ فَلَوْلَا هَذَا التَّخَيُّلُ مَا عُبِدَ الْحَجَرُ وَلَا غَيْرُهُ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: { قُلْ سَمُّوهُمْ } فَلَوْ سَمَّوْهُمْ لَسَمَّوْهُمْ حَجَرًا وَشَجَرًا وَكَوْكَبًا . وَلَوْ قِيلَ لَهُمْ: مَنْ عَبَدْتُمْ ؟ لَقَالُوا: إلَهًا وَاحِدًا مَا كَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهَ وَلَا الْإِلَهَ إلَّا عَلَى مَا تَخَيَّلَ ؛ بَلْ قَالَ: هَذَا مُجَلَّى إلَهِي يَنْبَغِي تَعْظِيمُهُ فَلَا يَقْتَصِرُ ؛ فَالْأَدْنَى صَاحِبُ التَّخَيُّلِ يَقُولُ: { مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى } وَالْأَعْلَى الْعَالِمُ يَقُولُ: { فَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا } حَيْثُ ظَهَرَ: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } الَّذِينَ خَبَتْ نَارُ طَبِيعَتِهِمْ فَقَالُوا:"إلَهًا"وَلَمْ يَقُولُوا:"طَبِيعَةً". وَقَالَ أَيْضًا فِي فَصِّ الهارونية: ثُمَّ قَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: إنِّي خَشِيتُ أَنْ