فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 16874

وَكَانَ التلمساني قَدْ أَضَلَّ شَيْخًا زَاهِدًا عَابِدًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ يُقَالُ لَهُ أَبُو يَعْقُوبَ الْمَغْرِبِيُّ الْمُبْتَلَى حَتَّى كَانَ يَقُولُ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ وَلَا أَرَى الْوَاحِدَ وَلَا أَرَى اللَّهَ . وَيَقُولُ: نَطَقَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بثنوية الْوُجُودِ وَالْوُجُودُ وَاحِدٌ لَا ثنوية فِيهِ وَيَجْعَلُ هَذَا الْكَلَامَ لَهُ تَسْبِيحًا يَتْلُوهُ كَمَا يَتْلُو التَّسْبِيحَ .

وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إذَا بَلَغَ الصَّبُّ الْكَمَالَ مِنْ الْهَوَى * * * وَغَابَ عَنْ الْمَذْكُورِ فِي سَطْوَةِ الذِّكْرِ

يُشَاهَدُ حَقًّا حِينَ يَشْهَدُهُ الْهَوَى * * * بِأَنَّ صَلَاةَ الْعَارِفِينَ مِنْ الْكُفْرِ

فَهَذَا الْكَلَامُ - مَعَ أَنَّهُ كُفْرٌ - هُوَ كَلَامُ جَاهِلٍ لَا يُتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ فَإِنَّ الْفَنَاءَ وَالْغَيْبَ: هُوَ أَنْ يَغِيبَ بِالْمَذْكُورِ عَنْ الذِّكْرِ وَبِالْمَعْرُوفِ عَنْ الْمَعْرِفَةِ وَبِالْمَعْبُودِ عَنْ الْعِبَادَةِ ؛ حَتَّى يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ وَهَذَا مَقَامُ الْفَنَاءِ الَّذِي يَعْرِضُ لِكَثِيرِ مِنْ السَّالِكِينَ لِعَجْزِهِمْ عَنْ كَمَالِ الشُّهُودِ الْمُطَابِقِ لِلْحَقِيقَةِ ؛ بِخِلَافِ الْفَنَاءِ الشَّرْعِيِّ فَمَضْمُونُهُ الْفَنَاءُ بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ وَبِحُبِّهِ عَنْ حُبِّ مَا سِوَاهُ وَبِخَشْيَتِهِ عَنْ خَشْيَةِ مَا سِوَاهُ وَبِطَاعَتِهِ عَنْ طَاعَةِ مَا سِوَاهُ فَإِنَّ هَذَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ .

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْفَنَاءِ - وَهُوَ الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ السِّوَى بِحَيْثُ يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ - فَهَذَا هُوَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ أَهْلِ الْوَحْدَةِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت