فهرس الكتاب
بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا ذَكَرَ مَعَهَا الْبِرَّ وَكَمَا فِي قَوْلِ نُوحٍ: { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ التَّقْوَى مُسْتَلْزِمَةٌ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ . وَنَقُولُ ثَالِثًا: إنَّ أَكْثَرَ بَنِي آدَمَ قَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا يَتْرُكُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إلَّا الصِّدِّيقُونَ كَمَا قَالَ سَهْلٌ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَهُ مُقْتَضَى فِي النَّفْسِ وَأَمَّا تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَى خِلَافِ الْهَوَى وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فَهُوَ أَصْعَبُ وَأَشَقُّ فَقَلَّ أَهْلُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَهُ إلَّا مَعَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا تُتَصَوَّرُ تَقْوَى وَهِيَ فِعْلٌ تَرْكٌ [ وَ ] قَطُّ ؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الشِّرْكَ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى الْمُضِلِّ وَاتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ أُمُورًا كَثِيرَةً تَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ فَتَقْوَاهُمْ تَحْفَظُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا وَتَمْنَعُهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ الَّتِي تَضُرُّهُمْ بِخِلَافِ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مَثَلًا ؛ فَإِنَّ وُجُودَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يُفْسِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ مَا يُفْسِدُ فَلَا يَسْلَمُ لَهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَّقِينَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ النَّافِعَ وَاتَّقَى الْأَطْعِمَةَ الْمُؤْذِيَةَ فَصَحَّ جِسْمُهُ وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ سَلِيمَةً . وَغَيْرُ الْمُتَّقِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَلَطَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ اغْتَذَى بِهَا لَكِنَّ تِلْكَ التَّخَالِيطَ قَدْ تُورِثُهُ