أولا هذه الآية نزلت حينما كان النبي صلَّى الله عليه وأله سلَّم يقوم على حراسته بعض أصحابه ولو كان في المعركة، فأنزل الله عز وجل عليه هذه الآية وهو في كوخ صغير متواضع وبجانبه أحد أصحابه عليه السلام ولعله سعد بن أبي وقَّاص رضيَ الله عنه- إن لم تخنِّي ذاكرتي- فما نزلت هذه الآية صرفه وتلاها عليه الله يعصمه من الناس أي الله يعصمه من الناس أن يقتلوه قبل أن يتمكن من أن يقوم بواجب تبليغه بدعوة ربه، لذلك تقول السيدة عائشة رضيَ الله عنها فيما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مسروق من كبار التابعين الذي كان أصله عبداً ثم أُعتق وصار من كبار علماء التابعين رحمه الله، من طريق مسروق هذا أخرج الشيخان أنه قال لعائشة: يا أم المؤمنين هل رأى محمدٌ ربه؟ قالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، قال: يا أم المؤمنين أليس يقول رب العالمين {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} قالت رضيَ الله عنها: أنا أعلمُ الناس بذلك سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله سلم يقول: رأيت جبريل في صورته التي خُلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سدَّ الأفق )) جبريل رآه الرسول عليه الصلاة والسلام مرتين وليس رب العالمين حيث يهمُ بعض الناس فيُرجعون الضمير إلى رب العالمين، فالسيدة عائشة تقول: أنا أعلم الناس بذلك لأنها سألت الرسول عليه الصلاة والسلام فأجابها بأنه لم يرى ربه وإنما رأى جبريل عليه السلام مرتين في صورته الطبيعية التي خلقها الله عليها وهو لعظمته قد سد الأفق، ثم تابعت السيدة عائشة كلامها مُعلِّمة للمسلمين لأنها من أمهات المؤمنين فقالت: ثلاث مَن حدَّثَكهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدَّثكم أن محمدًا - صلى الله عليه وآله سلم - رأى ربَّه، فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تبارك وتعالى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أو يُرسلَ رسولا} [الشورى: 51] - الخصلة الثانية- ومن حدَّثكم أن محمدًا - صلى الله عليه وآله سلم - كان يعلم ما في غدٍ، فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تبارك وتعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل65] - والثالثة والأخيرة وهنا الشاهد - ومن حدَّثك محمدًا - صلى الله عليه وآله سلم -كتم شيئاً أُمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإن لم تفعل فما بلغت