فهرس الكتاب

الصفحة 1275 من 4091

من النعماء، تود سروره بهمك، وفرحه بحزنك، وربحه بخسرانك، وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك، تتكلف من أجله ما لا تطيق، وتدخل بسببه في كل مضيق!!

ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولا تسلم إليه تدبير ر ولدك بعدما تموت، وهل إليك من تدبيره قليل أو كثير"ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير" (المائدة: 18) ، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرا، ولا في رزقه نقيرا، وقد تفترسك المنية بغتة، فتمسي في قبرك صريعا وبعملك أسيرا، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيما، ويقسم مالك وارثك عدوا كان أو رحيما، ويفترق عيالك ظاعنا ومقيما، وتقول يا ليتني كنت مع الشهداء فأفوز فوزا عظيما، فيقال لك: هيهات هيهات، فات ما فات، وعظمت الحسرات، وخلوت بما قدمت من حسنات أو سيئات، ألا واسمع قول الله العزيز الغفور، محذرا لك ما أنت فيه من الغرور"يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور" (لقمان: 33) .

هذا وإن كان ولدك من السعداء، فستجمع بينك وبينه الجنان، وإن كان من الأشقياء، فليكن من الآن، لا يجتمع أهل الجنة مع أهل النار، ولا الأخيار مع الأشرار، ولعل الله يرزقك الشهادة فتشفع فيه، وتكون بفراقك له ساعيا في أن تنجيه، احرص على ما ينجيك من العذاب، واجهد فيه، فغدًا"يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (عبس: 34 - 37) ، إن هذا لهو البيان العظيم"والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

وإن قلت: يشق على فراق الأخ والقريب، والصديق والحبيب، فكأنك بالقيامة وقد قامت على الخلق أجمعين"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" (الزخرف: 67) ، فإن كانت الصداقة لله، فستجمع بينكما عليون، في نعيم أنتم فيه خالدون، وإن كانت الصحبة لغير اللّه، فالفراق الفراق، قبل أن يحشر الرفاق مع الرفاق، لأن المرء في الآخرة مع محبوبه، لمشاركته إياه في مطلوبه، فإن كان من الأتقياء نفعه أخاه، وإن كان من الأشقياء، ضره وأراده، مع ما يتوقع في هذه الدار من الأقرباء والأصدقاء من الجفاء، والصد وقلة الوفاء، وكثرة الكدر وعدم الصفاء، وتغيّرهم لديك، وتلونهم عليك، وإساءتهم إليك، وهجرهم إياك، عند فوات الأغراض، وما تَجُنُّهُ قلوبهم من العلل والأمراض، إن وقعت في شدة تخلوا عنك، أو واقعت زلة تبرؤوا منك، إخوان السراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت