وأعداء الضراء، صداقتهم مقرونة بالغنا، وصحبتهم مشحونة بالعناء إن قل مالك مَلُّوك، وإن حال حالُك، فما أخوك أخوك وإن شككت في شيء من هذا البيان، فسيظهر لك يقينا عند الامتحان، وإن ظفرت يدك منهم، بأخ من إخوان الصفا!
وأين ذاك، أو خِل من خِلّان الوفا، وما أراك، فأنتما غدا كما قال أصدق القائلين"ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" (الحجر: 47) .
ولا يقعدك يا هذا عن الجهاد حبيب أو قريب، فربما افترقتما قبل المغيب، ففاتك الثواب العظيم، وبان عنك الصديق الحميم، وحرمت ما ترومه من الدرجات، وندمت فلم يغنك الندم على ما فات.
وفي الحديث: إن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه (حسنه الألباني في صحيح الجامع) ..
فانظر ما اشتملت عليه هذه الكلمات اليسيرة، من ذكر الموت وفراق الأحبة، والجزاء على الأعمال أبعد هذا الإنذار إنذار"إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"
وإن قلت: يقعدني منصبي وجاهي الرفيع، وعزي وحجابي المنيع، فليت شعري كم فارق منصبك محبا له إلى أن وصل إليك، وكم زال ظله من مغبط نفسه به إلى أن ظلل عليك، وسيبين عنك كما عنهم بان، وكأنك بذلك وقد كان، فإذا أنت لفراقه ثكلان، وقلبك مغمور بالحسد، وصدرك معمور بالأحزان، فلم يدم لك ما أنت فيه من المنصب والجاه، ولم تفز بما أنت طالبه من أسباب النجاة، وإن ِلآخِرَ من يخرج من النار، ويدخل بعد الداخلين، مثل ملك أعظم من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله معه أجمعين.
فما ظنك بمن يكون مع السابقين الأولين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مع ما لا يخفى عليك مما في المنصب، من النصب والتعب وشر العاقبة وسوء المنقلب، وما تكسب به من كثرة الأعداء والحساد، وما اشتملت عليه بواطنهم من الضغائن والأحقاد، وشماتتهم بك عند زواله، وتلهفك حزنا على ما فات من إقباله، وزوال أكثر حشمك وخدمك، وإعراض من كان يسر بتقبيل قدمك.