فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وفي زماننا هذا، وقبله بعقود (أو قرون) غاب مفهوم المحتسب عن المجتمع المسلم وأصبح الناس فوضى لا سراة لهم إلا ما كان من بعض الدعاة الفضلاء الذين يتكلمون ويعظون الناس ولكن تضيع أصواتهم في خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الفساد والفوضى التي حلّت بالأمة الإسلامية ..
وفي هذه الأيام نواجه هجمة عالمية كفرية نصرانية يهودية منافقة على ديننا وقيمنا وعزتنا وكرامتنا وروحنا وعزيمتنا، وأخطر هذه الهجمات ما كان على مفاهيمنا الشرعية التي يُريدون تمييعها وتفرغها من محتواها، فكان لزامًا على أفراد الأمة أن ينبروا لصد هذه السرايا الشيطانية والكتائب الظلامية بسلاح النور الرباني الساطع وشمس الحقيقة المشرقة التي لا تقبل الغروب ..
إن العدو الكافر قد عزم على الفتك بالأمة واحتلال ارضها وسفك دم أبنائها وسرقة خيراتها، ولا يمنعه من ذلك إلا أبناءها الأبرار الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن أراضي المسلمين محتسبين الأجر عند الله، ولما كان هؤلاء شوكة في حلوق الأعداء وعجز العدو عن مواجهتهم وجها لوجه على مر السنين، نظر العدو إلى مكامن قوة هؤلاء الرجال فوجدها: هذه العقيدة الحية، وهذا المنهج القويم، فراموا له اعوجاجًا ليصبح قيعة بلا مضمون ..
إن من أعظم ما يحاربه العدو اليوم هو عقيدة الولاء والبراء، ومفهوم الجهاد في سبيل الله، ولو استطاع تحييد هاتين القوتين العظيمتين لأصبحت البلاد الإسلامية لقمة سائغة، ولكن هيهات، فإن الله قد وعد بحفظ هذا الدين وهذه الأمة بإبقاء عصابة فيها محتسبة تقاتل على الحق لا يضرها من خالفها، فحَفِظ الدين وتعاليمه برجال أفذاذ يبذلون الغالي والنفيس في سبيل عزة الأمة وكرامتها، ففي كل جيل وفي كل وقت وفي كل مكان"محتسبون"يجاهدون كيد أعداء الدين بقلوب حية، وعلم راسخ، وعمل دؤوب، وصبر ومصابرة، وحكمة وهمة وعزيمة تتصاغر أمامها قمم الجبال ..
والحسبة الشرعية المبنية على العلم الصحيح والبيان: قرينة الجهاد والجلاد بالسيف والسنان، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه"الفورسية": ولما كان الجلاد بالسيف والسنان والجدال بالحجة والبرهان كالأخوين الشقيقين والقرينين المتصاحبين كانت أحكام كل واحد منهما شبيهة بأحكام الآخر ومستفادة منه، فالإصابة في الرمي والنضال كالإصابة في الحجة والمقال، والطعن والتبطيل نظير إقامة الحجة وإبطال حجة الخصم، والدخول والخروج نظير الإيراد والاحتراز منه، وجواب الخصم والقرن عند دخوله عليك كجواب الخصم عما يورده عليك