فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فروسية العلم والبيان وفروسية الرمي والطعان ..
فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان وفروسية الرمي والطعان .. ولما كان أصحاب النبي أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجة والبرهان والبلاد بالسيف والسنان .. وما الناس إلا هؤلاء الفريقان ومن عداهما فإن لم يكن ردءا وعونا لهما فهو كَلٌّ على نوع الإنسان .. وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بجدال الكفار والمنافقين وجلاد أعدائه المشاقين والمحاربين .. فعلم الجدال والجلاد من أهم العلوم وأنفعها للعباد في المعاش والمعاد ولا يعدل مداد العلماء: إلا دم الشهداء، والرفعة وعلو المنزلة في الدارين إنما هي لهاتين الطائفتين، وسائر الناس رعية لهما منقادون لرؤسائهما (انتهى كلامه رحمه الله) ..
وقد كان العلماء يجعلون الإحتساب في كتاب الجهاد أو السّير، وقد سطر الإمام النووي رحمه الله كلمات مفيدة جدا في كتابه روضة الطالبين (كتاب السير والجهاد) ، فقال رحمه الله:
"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية بإجماع الأمة، وهو من أعظم قواعد الإسلام، ولا يسقط عن المكلف لكونه يظن أنه لا يفيد أو يعلم بالعادة أنه لا يؤثر كلامه، بل يجب عليه الأمر والنهي فإن {الذكرى تنفع المؤمنين} ، وليس الواجب عليه أن يُقبل منه، بل واجبه أن يقول كما قال الله تعالى {ما على الرسول إلا البلاغ} ، قالوا: ومن أمثلته أن يرى مكشوف بعض عورته في حمام ونحو ذلك .. ولا يشترط في الآمر والناهي كونه ممتثلا ما يأمر به مجتنبًا ما ينهى عنه بل عليه الأمر والنهي في حق نفسه وفي حق غيره فإن أخل بأحدهما لم يجز الإخلال بالآخر .."
ولا يختص الأمر والنهي بأصحاب الولايات والمراتب بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين وواجب عليهم، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول كانوا يأمرون الولاة وينهونهم مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بذلك بغير ولاية، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه"، قال أصحابنا: وإنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه وذلك يختلف بحسب الأشياء: فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة - كالصلاة والصيام والزنى والخمر ونحوها - فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأقوال والأفعال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام الابتداء بإنكاره بل ذلك للعلماء، ويلتحق بهم من أعلمه العلماء بأن ذلك مجمع عليه، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن كل