فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فأما سبب نزولها، فقال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا بنتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بإلقاء عهودهم إليهم، فأنزل {بَرَاءةٌ} في سنة تسع، فبعث رسول الله أبا بكر أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج في تلك السنة، وبعث معه صدرا من {بَرَاءةٌ} ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فقال:"اخرُج بهذه القصة من صدر براءة وأذّن في الناس بذلك"، فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، أنزل في شأني شيء؟ قال"لا، ولكن لا يبلّغ عني إلا رجل مني، أما ترضى أنك كنت صاحبي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض"قال: بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميرا على الحج، وسار علي ليؤذن ببراءة.
فانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى نبذ إلى المشركين عهودهم لنقضهم لها، وأعلن الحرب عليهم، ثم انظر إلى بعض من يدعون الإسلام في زماننا هذا كيف يستجدون اليهود الصليبيين الذين كلما عاهدوه عهدا نبذوه ونقضوه قبل أن يجف الحبر على الأوراق!! وهذا من الذل الذي ألبس الله هؤلاء لما ابتعدوا عن هديه وخالفوا أمره وتركوا الجهاد في سبيله ..
روي عن هشام بن عامر عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه ما نزل علي القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا خلا سورة"براءة"و"قل هو الله أحد"فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول يا محمد استوص بنسبة الله خيرا".. (ولعل الخبر ضعيف)
وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"المنافق لا يحفظ سورة: هود، وبراءة، ويس، والدخان، وعم يتسألون".. وأنا للمنافق حفظ هذه السورة وقد فضحته وبعثرته وشقت جيوبه واظهرت مخازيه ..
لقد تضمنت سورة التوبة أحكاما نهائية في العلاقات السياسية بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض، كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا. وهذه السورة من أعظم الأدلة على بطلال القول بخصوصية تعلم العلوم السياسية وأسس العلاقات الدولية في الطبقة الحاكمة أو المتسلطة، فإن الله لم يُنزل هذا القرآن وهذه الآيات ليقرأها ويتدبرها الحكام فقط، بل أرسلها ليقرأها الناس