فعليه الدليل وإقامة البرهان على زعمه، والظاهر من كلامه أنه يعني أن الكفر الأكبر مراتب متفاوتة بعضها أشد من بعض، فكفر من كفر بالله وملائكته واليوم الآخر أشد من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله. ونحن نقول أيضًا: إن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله أخف من كفر من كفر بالله وملائكته .. ولا يعني هذا أن الحاكم مسلم وأن كفره كفر أصغر، كلا بل هو خارج عن الدين لتنحيته الشرع، وقد نقل ابن كثير الإجماع على هذا، فانظر البداية والنهاية [13 119] . (انتهى كلام الشيخ سليمان حفظه الله وفك اسره) ..
وإن قلنا بصحة الخبر، فالآية ليست مخرجًا لحكام هذا الزمان أبدًا، لا من قريب ولا من بعيد .. فالقول بأنه كفر دون كفر، معناه: أن يكون الحكم في مسألة بعينها لهوى أو شهوة، وليس معنى قول ابن عباس"كفر دون كفر": تنحية شرع الله وسن قوانين مكتوبة تعارض نصوص الشرع، فهذا كفر أكبر مُخرج عن الملّة بإجماع علماء السلف، لا يخالف هذا الإجماع أحد، وما كان أحد من السلف يظن أن يأتي زمان تُسن فيه القوانين في البلاد الإسلامية على الملة الصليبية - اليهودية ويدافع وينافح عنها من يدعي الإنتماء إلى الملة المحمدية، وحاشى حبر الأمة وترجمان القرآن أن يكون قصده ما ذهب إليه هؤلاء، إن صح عنه الأثر ..
يقول الشيخ محمد قطب رحمه الله"وعلى الرغم من وضوح القضية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء، فإن الأمر يختلط على بعض الناس حين يجدون في كتب الفقه أن من لم يحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا إذا كان جاحدا، ويجدون ابن عباس رضي الله عنه يقول: أنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه. إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة: كفر دون كفر .."
يختلط الأمر عليهم فيحسبون قضية التشريع بغير ما أنزل الله، أو الرضى بشرع غير شرع الله داخلة في هذا الحكم: كفر دون كفر. كفر لا يخرج عن الملة.
والذي يقوله الفقهاء عن الحكم بغير ما أنزل الله صحيح ولا شك. فليس كل من لم يحكم بما أنزل الله يعتبر كافرًا. فقد يكون متأولا. وقد يكون جاهلا بحكم في قضية بعينها. وقد يكون بشهوة معينة كالقاضي المرتشي الذي يخالف حكم الله في القضية المعروضة عليه بتأثير الرشوة وهو عالم بما يفعل، فيكون عاصيا فاسقا لا يكفر.
فكيف اعتبر مؤمنا وهو لم يحكم بما أنزل الله .. ؟
السبب أنه - مع مخالفته لحكم الله - لم يجعل مخالفته شرعا يحكمه بدلا من شرع الله، ولم يقل إن حكمه هذا بديل يضاهى حكم الله أو يفضل على حكم الله. إنما موقفه كالسارق والزاني يخالف في العمل، ولكنه لا يغير في الشرع المنزل، ولا يضع بديلا من عند نفسه لشرع الله.