إن الاعتقاد بالقلب والقول باللسان إذا لم يكن معهما عمل فإن وجودهما يكون كالعدم، وما فائدة الكلام والإرادة إذا لم يترجما على أرض الواقع. كم من كلمة قيلت وإرادة حاكت في النفس، ولكن الذي يجعل للكلام قيمة وللإرادة وزنًا هو التطبيق العملي لتلك الإرادة أو الكلمة.
للأسف صار الناس يطلقون علينا أُمة الاستنكار والشجب، أمة تتكلم ولا تفعل، وقد قال أحد أعدائنا من اليهود للغرب حينما استنكر العرب بعض تصرفاته:"دعوهم، فإنهم سوف يتكلمون قليلًا ثم يتعبون من الكلام فيسكتون". أقول للمسلمين: متى أصبحنا أصحاب قول دون عمل؟ متى أصبحنا أُمة الكلام؟ ألسنا أُمة"وأعدّوا"وأُمة"وقل اعملوا"إن اليهود حينما آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض وعدهم الله بخزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة بأشد العذاب، والتهديد لهم ولغيرهم، فالذي أمرنا أن نؤمن به وباليوم الآخر، أمرنا بأن نعد القوة وأن نعمل. ولا يقتصر العمل هنا على العمل العسكري والتسليح، وإن كان هذا مطلوب بلا شك، إلا أن العمل هنا يشمل كل جوانب الحياة: فالأمة تحتاج إلى إعادة بناء هيكلها الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي، والتنظيمي، والعسكري، كل هذا من منطلق إيماني. وقد أخطأ من ركّز على جانب وأهمل الجوانب الأُخرى، إن مصطلح الإيمان يشمل جميع جوانب الحياة، وإذا أغفلنا جانبًا واحدًا من جوانب الحياة وأخرجناه عن دائرة الإيمان فلا بد أن ينتج عن ذلك خلل.
يزيد بالطاعات و ينقص بالمعاصي:
لا بد من الحرص على العمل الدؤوب وعدم تضييع الجهد بالكسل والخمول والرضا بالنتائج الأولية والمكاسب المباشرة، فإن التكاسل يولد الخمول والضعف، وبالتالي تقدم العدو، وهذا ما حصل على مر التاريخ للمسلمين، فقد رضي المسلمون في القرون الأخيرة بما جمعه لهم أسلافهم فأخذوا يعيشون حياة ترف وخمول حتى فقدوا الإرادة العملية ومقومات البحث العلمي. إن المُزارع إذا حصد فقط، دون أن يزرع، فإنه بعد مدة سيجد أرضه خالية من الثمار وسوف يضطر إلى استيراد الثمار من غيره، وهذا ما حصل بين المسلمين وغيرهم، فحين كان المسلمون يعملون بجد ونشاط أتى الغرب والشرق إلى بلاد الإسلام لينهلوا منها المعارف والعلوم، وحين تقاعس المسلمون وتركوا العمل ودب فيهم الخمول والكسل أصبح حالهم ما نراه الآن من استيراد كل شيء من غيرهم حتى الأخلاق واحترام الأوقات. إن الطاعات والمعاصي يعملان عمل المؤشر الدقيق لوزن الأُمور بميزان الرضى الإلهي، فكثرة الطاعات تنبئ عن رضا الله الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير، والمعاصي تأخذ بأصحابها إلى ما لا يُحمد عقباه، وهذا كما قلت من قبل، ليس على مستوى الأفراد فقط ولكن على مستوى الشعوب والأُمم، فيجب على الأمة أن تعمل على رجحان كفة الطاعات بالعمل الدؤوب والصبر والجد والاجتهاد، وعدم الوقوف وقطف الثمار إلا في وقته، ومن عرف حقيقة الإيمان