فهرس الكتاب

الصفحة 2014 من 4091

تضغط على حكومة الصين كي توافق السلطات الصينية أن استيراد الأفيون عملا تجاريا مشروعا، وكتب في هذا الصدد اللورد بالمرستون إلى المندوب البريطاني في الصين يطلب منه السعي بعقد اتفاقية مع الصين تسمح بدخول الأفيون إلى البلاد كسلعة تجارية، وأن تفرض حكومة بكين رسوما جمركية عالية على الأفيون المستورد حتى تزداد حصيلة الرسوم الجمركية، وبالتالي تتضاعف موارد الحكومة، ولكن رفض إمبرطور الصين هذا الإقتراح بشقيه قائلا:"قد أكون عاجزا عن منع هذه السموم أن تدخل بلادي على كره مني، لأن بعض الناس تدفعهم شهواتهم وحبهم للمال الحرام إلى عصيان أمري، ولكن ليس في العالم قوة تستطيع أن تغريني على أن أستمد للدولة إيرادا من تسمم شعبي ونشر الرذيلة". [وانظروا إلى الفرق بين هذا البوذي، وبين من يدعي الإسلام ويحكم بلاد المسلمين!!]

أصرت الحكومة البريطانية على موقفها، وأعدت مستعمرة هونج كونج لإيواء التجار والمهربين، وحصنا قويا، وأعدت فيها مستودعات لتخزين صناديق الأفيون، ريثما تنقلها زوارق التهريب، وهي زوارق مسلحة تمنحها السلطات البريطانية في هونج كونج ترخيصا رسميا لمزاولة التهريب في حماية العلم البريطاني.

وافتعلت بريطانيا حادثا لإشعال حرب ثانية ابتغاء إكراه حكومة الصين على إباحة تجارة الأفيون وهذه هي حرب الأفيون الثانية سنة (1856 - 1857) ، وأغارت القوات البريطانية على بلاد الصين، وأمطرت سكانها بالقنابل، ودمرت المدن والقرى، ولم يكن في مقدور الجيش الصيني أن يقاوم القوات البريطانية، وأسفرت هذه الحرب عن هزيمة الصين، وكان من أهم نتائجها اتساع مستعمرة هونج كونج، بحيث لم تعد مقصورة على الجزيرة المواجهة للساحل، بل على قسم كبير من الإقليم الساحلي المجاور، وبذلك أصبحت المستعمرة البريطانية متصلة اتصالا مباشرا ببلاد الصين، لا تحول بينهما مياه البحر الضيق كما كانت الحال من قبل، واضطرت حكومة بكين في عام (1858) إلى إصدار أمر يبيح استيراد الأفيون ويفرض ضريبة على المستورد منه.

ويعلق على إشعال بريطانيا حربي الأفيون كاتب إنجليزي بقوله"ليس في التاريخ التجاري الإنجليزي صفحة تلصق ببلادنا عارا أشنع مما ألحقته بنا وبتجارنا وساستنا قصة الإتجار في الأفيون مع الصين إذا سردناها ببساطة تامة من غير تهويل". [نقول: بل هناك صفحات وصفحات في أكثر بلاد المسلمين] ..

شنت بريطانيا أكثر من حرب واحدة على الشعب الصيني الأعزل وذلك من أجل الفوائد التي يجنيها المتجرون في هذه السموم، وقد استولت بريطانيا عنوة على أرض صينية اغتصبتها اغتصابا لكي تجعل منها مرفأ يعتصم به المهربون الذين لم يلبثوا أن اتسعت تجارتهم، وتزايد نشاطهم رغم أنف السلطات الصينية، وحسْب أي رجل انجليزي أن يطالع هذه القصة لكي يدرك السبب في أن الأجانب يحكمون على هذه البلاد بأنها مع ادعائها التمسك بالمبادئ السامية لا تسمح للاعتبارات الإنسانية أن تحول بينها وبين مطامعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت