وانظروا إلى التطابق العجيب بين قول الأنصار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين أقوال سيّد الأنصار وأمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد - أيده الله ونصرة وأصحابه -، حيث قال"إذا سلمنا أسامة اليوم فسنجد المسلمين الذين ينادون الآن بتسليمه يقومون بعد ذلك بسبنا ولعننا لأننا قمنا بتسليمه. فهؤلاء أنفسهم سيتساءلون: لماذا ضحيتم بهيبة الإسلام؟ لماذا ألبستم المسلمين لباس الخزي والعار"، وقال"إننا نريد تطبيق دين الله في أرضه، ونريد خدمة كلمة الله، ونريد تنفيذ الأحكام الشرعية وحدود الله."، وقال"وإننا نعلن للعالم أجمع أنا إن شاء الله لن نستكين ولن نلين وسنثبت بإذن الله الباري حتى يكون لنا إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة ..."
فالأمر ليس أمر أسامة، بل الأمر أمر هيبة هذا الدين، والثبات على مبادئه، ونُصرته بقوة وحزم وإصرار حتى النصر أو الشهادة ..
هناك من ينصر الإسلام بماله، وهناك من ينصر الإسلام بوقته، وهناك من ينصر الإسلام بعلمه، وهناك من ينصر الإسلام بقلبه، وهناك من هو خارج هذه المعادلة لا يفكّر في الإسلام وأهله ولا في نصرة الدين الذي ينتسب إليه، وهو لاهٍ في جمع وحراسة ماله، وهؤلاء حالهم كحال بقيّة جزيرة العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا في شُغل عن دعوته - صلى الله عليه وسلم - حتى عام الوفود: حين قويت شوكة الإسلام وظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الجزيرة، عندها أقبل هؤلاء إلى المدينة ليبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام!! وأكثر هؤلاء ارتدوا بعد موته - صلى الله عليه وسلم - لأن الإسلام لم يخالج شغاف قلوبهم ولم يعرفوا حقيقته بعد ..
فهؤلاء الذين يقفون وقفة المتفرّج المنتظر لما تؤول إليه الأمور، وعلى من تكون الدائرة: هؤلاء لم يتغلغل الإيمان في قلبهم، فلم يشتغلوا بنُصرة دينهم ولا بدفع عدوّهم، بل انشغلوا في لهوهم ولعبهم وغرورهم وأمانيّهم، وهم يرون العدو وقد داهم بيوتهم وأخذ أموالهم وسبى نسائهم!!
إن الأنصاري من ينصر الإسلام في وقت الشدّة وفي أحلك الظروف، أما وقت الرخاء والسعة فكلٌّ يدعي الوصْل بليلى، وحتى عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس وأمثالهم ادعوا نصرة الإسلام في وقت السلام، وإنما يُعرف أهل الإسلام حينما يخرس اللسان وينطق الحُسام، حينما تُهدم المنازل وتُغرّد القنابل، حينما تُمزّق الاشلاء وتُسفك الدماء، عندها يتميّز الرجال من أشباههم، ويبرز أهل الإيمان ويخنس غيرهم، ويَعرف العقلاء حقيقة قول ربهم {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (البقرة: 214)