ومصداق هذا كله قول النبي صلى الله عليه وسلم"من كاني ؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا ًأو ليصمت" (متفق عليه) ، قال النووي رحمه الله"وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لايتكلم إلا إذا كان الكلام خيرا ًوهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم" (رياض الصالحين) ..
روي عن الفضيل"لا حج ولا جهاد أشد من حفظ اللسان"، وهذه الشروط غاية في الشدة على النفس، خاصة في زماننا هذا، فكل له رأي، وكل يريد أن يدلو بدلوه، ولكن قلما تجد من الناس من ينتقي القول أو يتكلم على هدى من الله ونور من نبوة (على صاحبها الصلاة والسلام) ، ولقد حذرنا نبينا من زمان كزماننا فقال"إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك" (أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه) ، ولولا ما أصاب الأمة من أمور لا يجوز ترك بيانها والتصدي لها، لترك أكثر العقلاءُ الناسَ واشتغلوا عنهم بخاصة أنفسهم ..
لقد أصبح عزيزا أن تلقى رجلًا يزن كلامه بميزان العقل: فلا يخرج منه إلا منطقا سليما يُصلح به فاسدًا أو تطرب لسماعه الآذان لما فيه من حكمة وعلم، وبمثل هؤلاء تزدان الدنيا وينعم فيها العاقل بهدوء نفس وراحة بال، قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه"لم يبقى من نعيم الدنيا إلا عبادة الله سبحانه وتعالى، ومجالسة رجال ينتقون الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر"!! وفي المأثور"طوبى لمن كان سكوته فكرة، وكلامه حكمة، ونظَره عبرة"..
خطورة الكلمة ..
يعجب المرء وهو يرى من يدعي اتباع كتاب الله المعجر: كيف يغفل عن قول الله تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق: 18) !! قال النووي رحمه الله: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام