{ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} ..
وهو تصوير لما يعتمل في قلوبهم ويختلج في نفوسهم من الكراهية لما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه. وهذا هو الذي يدفع بهم إلى الكفر والعناد والخصومة والملاحاة. وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة التي تكره بطبعها ذلك النهج السليم القويم، وتصادمه من داخلها، بحكم مغايرة طبيعتها لطبيعته. وهي نفوس يلتقي بها الإنسان كثيرا في كل زمان وفي كل مكان، ويحس منها النفرة والكراهية لهذا الدين وما يتصل به حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره كما لو كانت قد لذعتها العقارب! وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث! ولعلنا نشاهد في هذه الأيام حالة من هذا الطراز لا تخفى على الملاحظة!
وكان جزاء هذه الكراهية لما أنزل الله، أن أحبط الله أعمالهم. وإحباط الأعمال تعبير تصويري على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير. فالحبوط انتفاخ بطون الماشية عند أكلها نوعا من المرعى سام. ينتهي بها الى الموت والهلاك. وكذلك انتفخت أعمالهم وورمت وانبعجت .. ثم انتهت إلى الهلاك والضياع! إنها صورة وحركة، ونهاية مطابقة لحال من كرهوا ما أنزل الله ثم تعاجبوا بالأعمال الضخام. المنتفخة كبطون الأنعام، حين ترعى من ذلك النبت السام!
{ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} ..
ومن كان الله مولاه وناصره فحسبه، وفيه الكفاية والغناء، وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير، لا تخليًا من الله عن ولايته له، ولا تخلفًا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده. ومن لم يكن الله مولاه فلا مولى له، ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء. فهو في النهاية مضيع عاجز: ولو تجمعت له كل أسباب الحماية وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس! (باختصار من الظّلال) ..
لقد هبّ الشعب التونسي عن بكرة أبيه إنتصارًا لكرامته وحريّته وإنسانيّته فتحقق على يديه ما لم يسمع به الناس لعقود، بل لقرون، كيف بدأت المظاهرات! ومن بدأها! وكيف اشتعلت!