وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن حزم [الناسخ والمنسوخ: باب الإعراض عن المشركين] "في مائة أربع عشرة آية، في ثمان وأربعين سورة، نسخ الكل بقوله عز وجل"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"."
لما أذن الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بالقتال بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإرسال السرايا والبعثات لغزو الكفار والتضييق على قريش (القوة العظمى في جزيرة العرب) فبث الرعب في أنحاء الجزيرة، فكانت سيوف أصحابه ترهب الكفار أكثر من سباع الفلاة، وهذا مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم".. نصرت بالرعب شهرا أمامي، و شهرا خلفي ..." (حديث صحيح: صحيح الجامع 4221)
إن الذي يقرأ السيرة النبوية - بعد الإذن بالقتال - يجد أن هذه البعثات والسرايا والغزوات قد طغى ذكرها في تلك الفترة على ذكر غيرها من الأمور التي حصلت للمسلمين .. لقد شُرع الجهاد بعد ستة أشهر من الهجرة، واشترك النبي صلى الله عليه وسلم في 26 غزوة لقي في تسعة منها قتال، وأرسل 60 بعثة وسرية في تلك السنوات .. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم شارك بنفسه في أكثر من غزوتين في السنة، أي بمعدل غزوة كل خمسة أشهر، ولو استثنينا الأشهر الحُرم (أربعة أشهر في السنة) لكان معدل الغزوات النبوية غزوة كل ثلاثة أشهر ونصف في السنة .. ومعدل الغزوات والسرايا الإسلامية في العهد النبوي هو غزوة أو سرية كل شهرين، ولو استثنينا الأشهرالحُرم يكون المعدل غزوة كل شهر، وإذا قلنا بأن وقت الغزوة يتراوح بين 15 إلى 20 يومًا في الشهر (ذهابًا وإيابًا) ، فيكون الصحابة قد قضوا ثلاثة أرباع حياتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ..
لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامرة بالغزو والجهاد في سبيل الله فلا تكاد سرية تقفل من وجهتها ميممة شطر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وتودع سرية أُخرى منطلقة بأمر النبي عليه الصلاة والسلام لعملية جهادية.
إن من سنة الله سبحانه وتعالى في رسالاته أنها لا تتمكن إلا بالتضحيات، ولا ترتفع إلا على سلالم الجماجم والأشلاء .. لقد عاتب اللهُ سبحانه وتعالى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر لما اتخذ أسرى من المشركين بقوله سبحانه"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. (الأنفال: 67 - 68) !! كيف يا محمد (صلى الله عليه وسلم) ترضى بأسر الكفار قبل أن تُكثر فيهم القتل، وتقطّع منهم الأوصال، وتسفك دماءهم، وتكسر"