وسلم في ليلة، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله"أي يتوب عليه ويوفقه ويلهمه رشده بعد أن لم يكن كذلك" (النهاية في الفتن والملاحم) .
إن المتتبع لسيرة الأنبياء عليهم السلام يرى أن الله سبحانه وتعالى يهيئ هؤلاء الرجال تهيئة ذهنية عقلية ويذكي فيهم الصفات القيادية والقوة الروحية قبل بعثتهم، وهذا ما أخبرنا به سبحانه وتعالى في شأن نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث قال"أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى" (الضحى: 6 - 7) ، وقوله تعالى"أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ" (الشرح: 1) ، وقوله تعالى لموسى عليه السلام"وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي" (طه: 39) ..
ولكن المهدي ليس نبيًا أو رسولًا، وإنما هو رجل من بيت النبوة يُعدّه الله سبحانه وتعالى لقيادة البشرية .. والملفت للنظر هنا أنه لا تظهر فيه علامات الصلاح إلّا فجأة - كما هو ظاهر الحديث -، فهو كأكثر الناس يعيش حياة هامشية (إن صح التعبير) غير مكترث بتغيير واقع الأمة وما يجري فيها من أحداث .. ولو كان المهدي موجودًا في وقتنا هذا لربما كان طبيبًا أو مهندسًا أو طالبًا أو تاجرًا انشغل بتجارته أو مهنته أو تحصيله العلمي عن واقع الأمة الأليم، لا يعرفه أحد من المسلمين، ولا يتوقع من يعرفه أن يصبح هذا الرجل في يوم من الأيام قائدًا للأمة يصلّي خلفه نبي الله عيسى عليه السلام!!
عندما ينظر الإنسان إلى واقع الأمة اليوم، وينظر إلى القيادات الإسلامية التي أخذت على عاتقها مسؤولية التغيير في هذا الزمان يرى تطابقًا عجيبًا بين قوله صلى الله عليه وسلم"يصلحه الله في يوم وليلة"وبين واقع هذه القيادات الإسلامية، فأكثر قادة الجهاد لم يتربوا تربية علمية إسلامية منذ نعومة أظفارهم، ولم يكن أحد يتوقع أن يصبح هؤلاء الشباب في يوم من الأيام قادة أو رجال يغيرون مجرى التاريخ ..
إن الإسلام ليس تخصصًا علميًا في جامعة، أو منهجًا نظريًا في مدرسة، أو فلسفة جدلية، بل هو واقع عملي تحكمه قوانين سماوية، ولذلك كانت نظرية تغيير المناهج الدراسية في البلاد الإسلامية نظرية غير واقعية وغير مجدية في حرب الكفر والنفاق ضد الإسلام، ولو أن الداعين إلى هذه الفكرة نظروا في الواقع لاكتشفوا أن أكثر من يحاربهم هم من خريجي التخصصات التقنية أو خريجي المدارس الثانوية الحكومية، وليسوا من ذوي التخصصات الشرعية: