هذا الأمر من مسلمات العقيدة، ولا يحتاج إلى دليل لأنه أمر منطقي غاية في البساطة، ومقبول لكل من سلمت فطرته من بني البشر: فالله هو الخالق وهو الرازق وهو المقدّر وهو المدبّر، وهو المشرّع، فهو المستحق للعبادة وحده سبحانه، وذلك: لأنه أمر بذلك، ولحقّه على الخلق، ولاستحقاقه له، ولحاجة المخلوقات إليه، ولجلالته وعظمته وقدرته سبحانه جلّ في علاه، فجميع أسمائه وصفاته بل ومخلوقاته تدلّ على أنّ له الحكم والأمر تبارك وتعالى ..
فمن عرف أن الله هو الخالق والرازق والمدبّر وآمن بذلك فهو محقق لما اصطلح عليه العلماء بـ"توحيد الربوبية"، ومن أفرد الله بالعبادة ولم يشرك به أحدًا فقد حقق ما اصطلح عليه العلماء بـ"توحيد الألوهية"، ومن عرف أسماء الله وصفاته وآمن بها - من غير تمثيل أو تعطيل أو تأويل أو تشبيه - فقد حقق ما اصطلح عليه العلماء بـ"توحيد الأسماء والصفات"، فهذه أقسام التوحيد الثلاثة التي اصطلح عليها العلماء بعد تتبع واستقراء للنصوص الشرعية، والإيمان بها يكون بالقول والعمل ..
إن العقيدة هي أساس الدين ولبه، وليس في الدين شيء أهم من العقيدة، وقد قال بعض العلماء (ولعله الإمام ابن القيم رحمه الله) بأن العقيدة تدخل في كل آية من آيات القرآن الكريم، وهذا حق، فجميع العبادات إنما أصلها التعبّد الذي هو من مقتضيات توحيد الألوهية، فكل عبادة داخلة في مجمل التوحيد، والدين - كما هو معلوم - عقيدة وعبادة، والأصل هو العقيدة، لأن العبادة داخلة فيه ..