فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الناظر في سياسة الخلفاء الراشدين يجد أمرًا ظاهرًا لا يُخطئه، فسياستهم مبنية على الوضوح التام والصراحة المطلقة، ولا وجود عندهم لما يسمى"السياسة"بمعناها الحديث الذي هو: فن الكذب والتدليس للوصول إلى أهداف غير مشروعة أو حتى مشروعة .. كانت الأمور واضحة، والأوامر واضحة، والأهداف واضحة، والمسار واضحًا، والوسائل واضحة ليس فيها غموض أو ضبابية، وإنما تعلّم العرب"السياسة"بمفهومها المنحرف: من الفرس والهنود والرومان، وانتشر مفهوم"السياسة"الخاطئ في العصر العباسي على وجه الخصوص حتى طغى ذلك المفهوم على السياسة الشرعية، وذلك لكثرة ترجمة كتب الشرق والغرب، واحتكاك العرب بالأمم الأخرى، ودخول غير العرب دين الإسلام فأوجد هؤلاء أدبيات غريبة عن بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانت المراسيم الإدارية والملوكية التي ليس لها أصل شرعي، وإنما هي مستوردة من فارس والروم والهند .. والمراسيم الملوكية الحديثة التي نراها اليوم في الدول العربية: جلها مستورد من نصارى الغرب ..
إن الضغط الإجتماعي على الفرد يولّد عنده خوفًا غير مبرر، فتجده يركب الموجة مع الناس ويُبرمج عقله وفهمه وفق ما تراه الجموع لا ما يحدده الشرع، ولنضرب بعض الأمثلة: كثير من الناس كانوا يرون الخروج على الحاكم من أعظم المفاسد والمحرمات، ولكنهم الآن يرون الخروج على بعض الحكام من أوجب الواجبات! الحاكم هو هو! وأوضاعه هي هي! ولكن لما رأى هؤلاء أن الناس خرجوا في الشوارع وهتفوا: ترددوا قليلًا، ثم هتفوا مع الجموع وكبّروا!!
تجد بعض ما يسمون بالمحللين والمفكرين والسياسيين يخرجون في الفضائيات يناقشون هذه الثورات وكأنهم من أشعل جذوتها وبدأ شرارتها، وكأنهم كانوا معارضين لهذه الحكومات منذ نعومة أظفارهم!! هؤلاء ذاتهم الذين كانوا يسبّحون بحمد هؤلاء الحكام ويمجدونهم قبل قيام الثورات بلحظات!! سمعنا آبائنا يحدثوننا عن شيء اسمه"حياء"!!