فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
[الكاتب: حسين بن محمود]
مثل الظل يمشي معك ..."يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير" (التوبة: 38 - 39)
هذه الآية الكريمة هي من سنن الله التاريخية في هذه الأمة .. فالمتتبع لتأريخ أمة الإسلام من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يجد تحقيقا واضحا لهذه الآية على صفحات الأحداث .. في كل مرة تتثاقل فيها الأمة عن النفير والجهاد وتلبية نداء الله سبحانه وتعالى: يصيبها الله سبحانه وتعالى بعذاب من عنده حتى تفيق الأمة وتعود إلى رشدها، ثم يمضي فيها سنته ..
لقد ظهر هذا واضحا جليا في القرن السادس الهجري: فقد انشغلت الأمة الإسلامية باللهو والملذات وتركت جهاد الأعداء، وانشغل الأمراء ببعضهم البعض، ونسي المسلمون واجبهم الشرعي في الأرض فسلط الله عليهم الفرنجة (الأوروبيون) ليحرقوا البلاد ويعيثوا في الأرض الفساد، ثم سلط الله على الأمة المغول في حادثة لم تشهد البشرية مثلها فكانت القاصمة التي قصمت ظهر الإنفلات والإنحلال في الأمة وتبدل جيل الغفلة بجيل جديد تربى على الإنتباه والقوة والنجدة ..
احتل الفرنجة الساحل الغربي للشام فقتلوا الرجال وسبوا النساء وأخذوا الأموال، والمسلمون منشغلون بخلافاتهم الداخلية وحياتهم اليومة، لاهون عما يجري من حولهم من الأمور العظام والخطاب الجسام!! في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية أمضى الله سبحانه وتعالى سنته في الأمة"ويستبدل قوما غيركم"، هذا الإستبدال التاريخي لأفراد الأمة يحكمه قانون رباني آخر ذكره الله في سورة محمد"وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد: 38) ، وذكر الله سبحانه وتعالى أهم خاصية من خصائص هذه الفئة البديلة، فقال سبحانه"ياأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" (54 المائدة) .
وإذا تمعنا في الآيات السابقة فإننا نخرج ببعض المفاهيم أو الحقائق نجملها في الآتي:
1 -أن الله سبحانه وتعالى حذر المؤمنين من التأخر أو التخاذل عن إجابة النفير.
2 -حذر الله المؤمنين من الركون إلى الدنيا والاستئناس بها، وبين لهم فضل الآخرة عليها.
3 -أن الله توعد المؤمنين بعذاب أليم إن هم تركوا الجهاد، قال الطبري"يعذبكم الله عاجلا في الدنيا ..".
4 -توعد الله الجيل المتخاذل باستبدالهم بغيرهم ثم أخبرهم بأن ذلك لا يضره بل يضرهم، فهم المحتاجون للجهاد ونصرة الدين لكسب الثواب وتجنب العقاب، أما الله سبحانه وتعالى فلا يضره عدم خروجهم وتثاقلهم وهو قادر على أن يستبدلهم متى شاء وبالكيفية التي يشاءها.
5 -ثم أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن الجيل البديل لا يكون كالذي قبله، بين لنا بعض خصائصه، فمن هذه الخصائص:
أ تعلقهم بالله الذي يتفضل عليهم بمحبته لهم نظير هذا التعلق وهذه المحبة والطاعة.
ب محبتهم للمؤمنين وولائهم لهم، وبغضهم للكافرين وعداوتهم لهم.
ت إقامتهم علم الجهاد في سبيل الله.
ث إفرادهم الله بعبادة الخوف، فلا يخافون أحد من خلقه.
ج يصدعون بالحق ويعلنونه ويقاتلون عليه ويتحملون مآل هذا الصدع.
ح لا يخافون في الله لومة لائم ولا تقول متقول.
6 -ثم يخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه المتفضل على هذا الجيل الجديد بهذه الخصائص، وأنه يفعل ما يريد.
لما انشغل الناس في القرن السادس للهجرة بما ذكرنا وحصل ما حصل من غزو الفرنجة لبلاد المسلمين، مضت في الأمة سنة الله سبحانه وتعالى فأخرج من رحم تلك المآسي نماذج من الرجال لتحقيق وعده ووعيده في كتابه .. وسنتحدث هنا عن هؤلاء الرجال وصفاتهم لنأخذ من قصصهم عبرة وعظة ..
بدأ الجهاد في القرن السادس الهجري على يد القائد الفذ أمير الموصل عماد الدين زنكي بن آقسنقر رحمه الله (ت: 541 هـ) ..
أي نوع من الرجال كان هذا الرجل!!
لقد كان رحمه الله سياسيا بارعا ورجلا مهيبا، فيه من الجد والحزم ما جعل الخاصة تهابه قبل العامة، يقول ابن الأثير في تاريخه: كان حسن الصورة أسمر اللون مليح العينين قد وخطه الشيب وكان قد زاد عمره وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوي على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلا وسكانا.
ورغم هيبته وسطوته إلا أنه كان متواضعا بسيطا، قال ابن الاثير: فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم الطين وخرج فنزلها، وكانت سياسته إلى هذا الحد.
ومن حزمه أنه كان شديد الغيرة، ولا سيما على نساء الأجناد وكان يقول: إن لم نحفظ نساء الأجناد بالهيبة وإلا فسدن لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار.
أما شجاعته، فقد قال عنها ابن الأثير رحمه الله: وكان أشجع خلق الله، أما قبل أن يملك فيكفيه أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل مدينة طبرية وهي للفرنج فوصلت طعنته باب البلد وأثر فيه، وحما أيضا على قلعة عقر الحميدية - وهي على جبل عال - فوصلت طعنته إلى سورها، إلى أشياء أخر.
وأما بعد الملك: فقد كان الأعداء محدقين ببلاده وكلهم يقصدها ويريد أخذها وهو لا يقنع بحفظها حتى أنه لا ينقضي عليه عام إلا ويفتح من بلادهم.
ورغم كثرة اشتغال الرجل بفتوحاته إلا أنه لم ينس أن يربي أبنائه تربية إيمانية مبنية على عقيدة التوكل على الله، مقرونة بعقيدة الولاء والبراء وحب نصرة الدين والبذل من أجله، فكان أن ترك للأمة خير وارث لخير إرث .. قال ابن الأثير رحمه الله: لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده وكان حاضرا معه وسار إلى حلب فملكها. (انتهى) ..
رحمك الله يا زنكي وأثابك خير المثوبة على ما قدمت للأمة وعلى ما أحييت فيها من فريضة غابت عنها دهرا من الزمان ..
كانت فترة عماد الدين زنكي بمثابة الجرس الذي نبه الأمة وأيقظها من سباتها، ولكن الفترة التي تلتها كانت هي التي أعادت الأمة إلى رشدها وذكرتها بوعد الله سبحانه وتعالى ووعيده، فكانت الأمة، بل والتاريخ، على موعد مع نوعية فريدة من الرجال قلما يتكررون تاريخ الأمم .. كانت الأمة على موعد مع القائد العبقري الفذ"نور الدين محمود":
من هو نور الدين!!
إن الكلام عن هذا الرجل الفذ كلام ذو شجون، كيف لا وهو الذي وجه سيوف الأمة إلى أهدافها الشرعية بعد أن كانت تفتك في جسد الأمة وتنخر فيها .. كيف لا وهو الذي أذل الفرنجة ودوخهم وأقض مضاجعهم وزرع الرعب في قلوبهم .. لقد كان نور الدين - رحم الله - رأس الإرهاب الإسلامي في ذلك القرن ومؤجج نار الجهاد الذي أحرق الصليبيين وأخرس ألسنة أعداء الدين .. لقد كان رحمه الله سيفا مسلطا على رقاب أهل البدع والضلال، فأحيى به الله الدين وأبطل كيد المبطلين ..
فلتأخذنا الأشواق لتطير بنا إلى رحاب حياته الخالدة (بإذن الله) ..
قال ابن كثير رحمه الله: هو الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن الملك الأتابك قسيم الدولة عماد الدين أبي سعيد زنكي - الملقب بالشهيد - بن الملك آقسنقر الأتابك - الملقب بقسيم الدولة - التركي السلجوقي مولاهم، ولد وقت طلوع الشمس من يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحلب، ونشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة الكبيرة، وتعلم القرآن والفروسية والرمي، وكان شهما شجاعا ذا همة عالية، وقصد صالح، وحرمة وافرة وديانة بينة.
كان طويل القامة أسمر اللون حلو العينين واسع الجبين، حسن الصورة، تركي الشكل، ليس له لحية إلا في حنكه، مهيبا متواضعا عليه جلالة ونور، يعظم الإسلام وقواعد الدين، ويعظم الشرع.
لما قتل أبوه سنة إحدى وأربعين [وخمسمائة] وهو محاصر جعبر، صار الملك بحلب إلى ابنه نور الدين، وأعطاه أخوه سيف الدين غازي الموصل، ثم تقدم، ثم افتتح دمشق في سنة تسع وأربعين فأحسن إلى أهلها وبنى لهم المدارس والمساجد والربط، ووسع لهم الطرق على المارة، وبنى عليها الرصافات ووسع الأسواق، ووضع المكوس بدار الغنم والبطيخ والعرصد، وغير ذلك. وكان حنفي المذهب يحب العلماء والفقراء ويكرمهم ويحترمهم، ويحسن إليهم، وكان يقوم في أحكامه بالمعدلة الحسنة، واتباع الشرع المطهر، ويعقد مجالس العدل ويتولاها بنفسه، ويجتمع إليه في ذلك القاضي والفقهاء والمفتيون من سائر المذاهب ..
وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة، وأمر بالتأذين"بحي على الصلاة حي على الفلاح"، ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجده، وإنما كان يؤذن"بحي على خير العمل"لأن شعار الرفض كان ظاهرا بها، وأقام الحدود وفتح الحصون، وكسر الفرنج مرارا عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين ..
وقد كان رحمه الله حسن الخط كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعا للآثار النبوية، محافظا على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة، محبا لفعل الخيرات، عفيف البطن والفرج، مقتصدا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، حتى قيل: إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلا نفقة منه من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا، ولم يسمع منه كلمة فحش قط، في غضب ولا رضى، صموتا وقورا. (انتهى) ..
قال ابن الأثير: لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم، فكان يقتات منها، وزاد امرأته من كراها على نفقتها عليها، واستفتى العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئا، ولو مات جوعا، وكان يكثر اللعب بالكرة فعاتبه رجل من كبار الصالحين في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما أريد بذلك تمرين الخيل على الكر والفر، وتعليمها ذلك، ونحن لا نترك الجهاد.
وكان لا يلبس الحرير، وكان يأكل من كسب يده بسيفه ورمحه، وركب يوما مع بعض أصحابه والشمس في ظهورهما والظل بين أيديهما لا يدركانه ثم رجعا فصار الظل وراءهما، ثم ساق نور الدين فرسه سوقا عنيفا وظله يتبعه، فقال لصاحبه: أتدري ما شبهت هذا الذي نحن فيه؟ شبهته بالدنيا تهرب ممن يطلبها، وتطلب من يهرب منها.
مثل الرزق الذي تطلبه
فإذا وليت عنه تبعك ... أنت لا تدركه مستعجلا
ما أحسن الشجعان في المحراب ... سمع الحديث وأسمعه، وكان كثير الصلاة بالليل من وقت السحر إلى أن يركب:
جمع الشجاعة والخشوع لديه
بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا ... وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدين تكثر القيام في الليل، فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرا جزيلا، وجراية كثيرة:
فألبس الله هاتيك العظام وإن
مثوى قبورهم روحا وريحانا ... سقى ثرى أودعوه رحمة ملأت
يوم القيامة والسماء تمور ... في عدله وتحريه للحق وحسن سياسته:
ذكر ابن الأثير: أن الملك نور الدين بينما هو ذات يوم يلعب بالكرة إذ رأى رجلا يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه، فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على نور الدين حقا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب إلى نور الدين وأعلمه بذلك ألقى الجوكان من يده، وأقبل مع خصمه ماشيا إلى القاضي الشهرزوري، وأرسل نور الدين إلى القاضي: أن لا تعاملني إلا معاملة الخصوم.
فحين وصلا وقف نور الدين مع خصمه بين يدي القاضي، حتى انفصلت الخصومة والحكومة، ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال السلطان: إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولشرعه، فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به ووهبته له.
قال ابن الأثير: وهو أول من ابتنى دارا للعدل، وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين، وقيل: أربع مرات، وقيل: خمس. ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجب ولا غيره، بل يصل إليه القوي والضعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه، فيكشف المظالم، وينصف المظلوم من الظالم.
وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه بن شادي كان قد عظم شأنه عند نور الدين، حتى صار كأنه شريكه في المملكة، واقتنى الأملاك والأموال والمزارع والقرى، وكان ربما ظلم نوابه جيرانه في الأراضي والأملاك، وكان القاضي كمال الدين ينصف كل من استعداه على جميع الأمراء إلا أسد الدين هذا فما كان يهجم عليه، فلما ابتنى نور الدين دار العدل تقدم أسد إلى نوابه أن لا يدعوا لأحد عنده ظلامة، وإن كانت عظيمة، فإن زوال ماله عنده أحب إليه من أن يراه نور الدين بعين ظالم، أو يوقفه مع خصم من العامة، ففعلوا ذلك.
فلما جلس نور الدين بدار العدل مدة متطاولة ولم ير أحدا يستعدي على أسد الدين، سأل القاضي عن ذلك فأعلمه بصورة الحال، فسجد نور الدين شكرا لله، وقال: الحمد لله الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم.
وأما شجاعته، فحدث عنها ولا حرج، فقد وصف ابن كثير بعض جوانبها فقال: لم ير على ظهر فرس قط أشجع ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالكرة، وكان ربما ضربها ثم يسوق وراءها ويأخذها من الهوى بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، ولم ير جوكانة يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده، لأن الكم ساتر لها، ولكنه استهانة بلعب الكرة، وكان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب المثل به في ذلك .. (انتهى) ..
لقد كان رحمه الله صاحب حس إيماني مرهف، فمن أقواله المشهورة:"قد تعرضت للشهادة غير مرة فلم يتفق لي ذلك، ولو كان في خير ولي عند الله قيمة لرزقنيها، والأعمال بالنية".
وقال له يوما قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر بنفسك، فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين. فقال له:"اسكت يا قطب الدين فإن قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود"؟
قال: فبكى من كان حاضرا، رحمه الله.
وقد أسر بنفسه في بعض الغزوات بعض ملوك الإفرنج، فاستشار الأمراء فيه هل يقتله أو يأخذ ما يبذل له من المال؟
وكان قد بذل له في فداء نفسه مالا كثيرا، فاختلفوا عليه ثم حسن في رأيه إطلاقه وأخذ الفداء منه، فبعث إلى بلده من خلاصته من يأتيه بما افتدى به نفسه، فجاء به سريعا فأطلقه نور الدين، فحين وصل إلى بلاده مات ذلك الملك ببلده، فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه ..
أما احترامه للعلماء فيتبين من هذه القصة التي ساقها لنا ابن كثير رحمه الله، فقال: وقد نال بعض الأمراء مرة عنده من بعض الفقهاء، وهو قطب الدين النيسابوري، فقال له نور الدين: ويحك إن كان ما تقول حقا فله من الحسنات الكثيرة الماحية لذلك ما ليس عندك مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت إن كنت صادقا، على أني والله لا أصدقك، وإن عدت ذكرته أو أحدا غيره عندي بسوء لأوذينك. فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك.
قال ابن الأثير: وهو أول من بنى دار حديث، وقد كان مهيبا وقورا شديد الهيبة في قلوب الأمراء، لا يتجاسر أحد أن يجلس بين يديه إلا بإذنه، ولم يكن أحد من الأمراء يجلس بلا إذن سوى الأمير نجم الدين أيوب [والد السلطان الناصر صلاح الدين] ، وأما أسد الدين شيركوه ومجد الدين بن الداية نائب حلب، وغيرهما من الأكابر فكانوا يقفون بين يديه، ومع هذا كان إذا دخل أحد من الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته في وقار وسكون، وإذا أعطى أحدا منهم شيئا مستكثرا يقول:"هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا" (انتهى) ..
لم يكن نور الدين رحمه الله يحترم العلماء فقط، بل كان طالب علم يحب سماعه والإطلاع عليه ويبذل وسعه في همل ما تعلمه، قال ابن كثير رحمه الله: وقد سمع عليه جزء حديث وفيه"فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا السيف"فجعل يتعجب من تغيير عادات الناس لما ثبت عنه عليه السلام، وكيف يربط الأجناد والأمراء على أوساطهم ولا يفعلون كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر الجند بأن لا يحملوا السيوف إلا متقلديها، ثم خرج هو في اليوم الثاني إلى الموكب وهو متقلد السيف، وجميع الجيش كذلك، يريد بذلك الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرحمه الله.
وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه كأنه يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره بأن يكتب مناشير بوضع المكوس والضرائب عن البلاد، وقال له: هذا تأويل رؤياك.
وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم، ويقول لهم: إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم. وكتب بذلك إلى سائر ممالكه وبلدان سلطانه، وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار، وكان يقول في سجوده:"اللهم ارحم المكاس العشار الظالم محمود الكلب".
تأثره بأقوال أهل العلم:
قال ابن كثير رحمه الله: يقال إن سبب وضعه المكوس عن البلاد أن الواعظ أبا عثمان المنتخب بن أبي محمد الواسطي - وكان من الصالحين الكبار - وكان هذا الرجل ليس له شيء ولا يقبل من أحد شيئا، إنما كانت له جبة يلبسها إذا خرج إلى مجلس وعظه، وكان يجتمع في مجلس وعظه الألوف من الناس - أنشد نور الدين أبياتا تتضمن ما هو متلبس في ملكه، وفيها تخويف وتحذير شديد له:
مثل وقوفك أيها المغرور
فاحذر بأن تبقى وما لك نور ... إن قيل نور الدين رحت مسلما
كأس المظالم طائش مخمور ... أنهيت عن شرب الخمور وأنت في
وعليك كاسات الحرام تدور ... عطلت كاسات المدام تعففا
فردا وجاءك منكر ونكير ... ماذا تقول إذا نقلت إلى البلى
فردا ذليلا والحساب عسير ... ماذا تقول إذا وقفت بموقف
يوم الحساب مسلسل مجرور ... وتعلقت فيك الخصوم وأنت في
ضيق القبور موسد مقبور ... وتفرقت عنك الجنود وأنت في
يوما ولا قال الأنام أمير ... ووددت أنك ما وليت ولاية
في عالم الموتى وأنت حقير ... وبقيت بعد العز رهن حفيرة
قلقا وما لك في الأنام مجير ... وحشرت عريانا حزينا باكيا
عافى الخراب وجسمك المعمور ... أرضيت أن تحيا وقلبك دارس
أبدا وأنت معذب مهجور ... أرضيت أن يحظى سواك بقربه
يوم المعاد ويوم تبدو العور ... مهد لنفسك حجة تنجو بها
إلى ملك في سجايا ملك ... فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدا، وأمر بوضع المكوس والضرائب في سائر البلاد.
حكمته .. رحمه الله:
كتب إليه الشيخ عمر الملا من الموصل - وكان قد أمر الولاة والأمراء بها أن لا يفصلوا بها أمرا حتى يعلموا الملا به، فما أمرهم به من شيء امتثلوه، وكان من الصالحين الزاهدين، وكان نور الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رمضان، فكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: إن المفسدين قد كثروا، ويحتاج إلى سياسة ومثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجيء يشهد له؟
فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه: إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى، فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم.
فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب، وجعل يقول: انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، وكتاب الملك إلى الزاهد.
وجاء إليه أخو الشيخ أبي البيان يستعديه على رجل أنه سبه ورماه بأنه يرائي وأنه وأنه، وجعل يبالغ في الشكاية عليه.
فقال له السلطان: أليس الله تعالى يقول:"وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان: 63) ، وقال:"وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199) . فسكت الشيخ ولم يحر جوابا.
عبادته .. رحمه الله:
وقال الفقيه أبو الفتح الأشري معيد النظامية ببغداد، وكان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين، قال: وكان نور الدين محافظا على الصلوات في أوقاتها، في جماعة بتمام شروطها والقيام بها بأركانها، والطمأنينة في ركوعها وسجودها، وكان كثير الصلاة بالليل، كثير الابتهال في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في أموره كلها ..
شهادة الأعداء له:
قال: وبلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون: إن القسيم ابن القسيم - يعنون نور الدين - له مع الله سر، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعو فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا.
قال: فهذا كلام الكفار في حقه.
إلى الرفيق الأعلى ..
وفي يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال من سنة إحدى وأبعين وخمسمائة قبض رحمه الله تعالى عن ثمان وخمسين سنة، مكث منها في الملك ثمان وعشرين سنة رحمه الله، وصلي عليه بجامع القلعة بدمشق .. وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة، وما أحسن ما قاله العماد:
عجبت من الموت لما أتى
ير في الأرض وسط فلك ... وكيف ثوى الفلك المستد
رحمك الله يا محمود وجزاك الله عن أمة نبيه خير الجزاء .. هكذا فليكن الرجال، لقد - والله - أتعبت من بعدك ..
لم تسقط الراية بعد ..