فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لما مات نور الدين في شوال من هذه السنة بويع من بعده بالملك لولده الصالح إسماعيل، وكان صغيرا، وجعل أتابكه الأمير شمس الدين بن مقدم، فاختلف الأمراء وحادت الآراء وظهرت الشرور، وكثرت الخمور، وقد كانت لا توجد في زمنه ولا أحد يجسر أن يتعاطى شيئا منها، ولا من الفواحش، وانتشرت الفواحش وظهرت حتى أن ابن أخيه سيف الدين غازي بن مودود صاحب الموصل لما تحقق موته - وكان محصورا منه - نادى مناديه بالبلد بالمسامحة باللعب واللهو والشراب والمسكر والطرب، ومع المنادي دف وقدح ومزمار الشيطان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد كان ابن أخيه هذا وغيره من الملوك والأمراء الذين له حكم عليهم، لا يستطيع أحد منهم أن يفعل شيئا من المناكر والفواحش، فلما مات مرح أمرهم وعاثوا في الأرض فسادا وتحقق قول الشاعر:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر * ولا تسقني سرا وقد أمكن الجهر
والدهر ساء وأقلعت حسناته ... وطمعت الأعداء من كل جانب في المسلمين، وعزم الفرنج على قصد دمشق وانتزاعها من أيدي المسلمين، فبرز إليهم ابن مقدم الأتابك فواقعهم عند بانياس فضعف عن مقاومتهم، فهادنهم مدة، ودفع إليهم أموالا جزيلة عجلها لهم، ولولا أنه خوفهم بقدوم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لما هادنوه.
وجاء الأسد على قدر ..
لما بلغ ذلك (الهدنة) صلاح الدين كتب إلى الأمراء وخاصة ابن مقدم يلومهم على ما صنعوا من المهادنة ودفع الأموال إلى الفرنج، وهم أقل وأذل، وأخبرهم أنه على عزم قصد البلاد الشامية ليحفظها من الفرنج، فردوا إليه كتابا فيه غلظة، وكلام فيه بشاعة، فلم يلتفت إليهم، بل انقض على الشام انقضاض البازي على الحمام ..
من هو هذا الصقر!!
هو السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكردي رحمه الله ورحم أباه ..
يقول عنه ابن كثير رحمه الله:
قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد - أي دينار واحد - صوريا وستة وثلاثين درهما.
وقال غيره: سبعة وأربعين درهما، ولم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا بستانا، ولا شيئا من أنواع الأملاك.
هذا هو ملك مصر والشام، قاهر الصليبيين والمرتدين من أهل البدع والضلال ..
لم يخلف أموالا ولا أملاكا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم، حتى إلى أعدائه .. وقد كان متقللا في ملبسه، ومأكله ومركبه.
وكان لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطى إلى مكروه، ولا سيما بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصره الإسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده، ومع من يثق به ليلا ونهارا، وهذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد الفرائد، في اللغة والأدب وأيام الناس.
حتى قيل إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها، وكان مواظبا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال: إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى ولا في مرض موته، كان يدخل الإمام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه.
علمه:
قال ابن كثير: وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة، ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، وكان قد جمع له القطب النيسابوري عقيدة فكان يحفظها ويحفظها من عقل من أولاده.
وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبحبح بذلك ويقول هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، وكان ذلك بإشارة العماد الكاتب.
ورعه وتقواه:
قال ابن كثير رحمه الله: وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين.
شجاعته:
وكان من أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا، مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والأسقام، ولا سيما في حصار عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل، ويقال: ستمائة ألف، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.
ولما انفصل الحرب وتسلموا [الفرنج] عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله وخذلهم، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم، ولم يزل بجيشه مقيما به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم ويسلبهم حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه، ودخلوا عليه في الصلح، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الذي أراده، لا على ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي رحم الله بها المؤمنين .. (انتهى) ..
وتصعد الروح إلى باريها ..
قال ابن كثير رحمه الله: ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة
فيها: كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى. اشتد به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في الغمرات فقرأ"هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة" (الحشر: 22) .
فقال: وهو كذلك صحيح.
فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ"لا إله إلا هو عليه توكلت" (التوبة: 129)
تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه سبحانه، ومات رحمه الله، وأكرم مثواه، وجعل جنات الفردوس مأواه. (ج/ص: 13/ 6)
وكان له من العمر سبع وخمسون سنة، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله، فقد كان ردءا للإسلام وحرزا وكهفا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له.
وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل ..
ويقال: إنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل، وتفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله.
وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، وهي مائتا بيت واثنان، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين، منها قوله:
شمل الهدى والملك عم شتاته
مرجوة رهباته وهباته؟ ... أين الذي مذ لم يزل مخشية
مبذولة ولربه طاعاته ... أين الذي كانت له طاعاتنا
لله خالصة صفت نياته؟ ... بالله أين الناصر الملك الذي
يرجى نداه وتتقى سطواته؟ ... أين الذي ما زال سلطانا لنا
وسمت على الفضلاء تشريفاته؟ ... أين الذي شرف الزمان بفضله
ذلا، ومنها أدركت ثاراته؟ ... أين الذي عنت الفرنج لبأسه
أطواق أجياد الورى مناته ... أغلال أعناق العدا أسيافه
يحميه؟ من للبأس من للنائل؟ ... من للعلى من للذرى من للهدى
إذ لم يثق ببقاء ملك عاجل ... طلب البقاء لملكه في آجل
وبسيفه فتحت بلاد الساحل ... بحر أعاد البر بحرا بره
وبعزه يردون أهل الباطل ... من كان أهل الحق في أيامه
أبقت له فضلا بغير مساجل ... وفتوحه والقدس من أبكارها
ورأيت جودك مخجلا للوابل ... ما كنت استسقي لقبرك وابلا
لا أرتضي سقيا الغمام الهاطل ... فسقاك رضوان الإله لأنني
رحم الله الملك الناصر صلاح الدين، وأثابه عن الأمة خير المثوبة، فقد كان درعا لها وحصنا حصينا .. اختلف من بعده أبناءه وقادته وعمت الفوضى، وترك الجهاد، وانشغلوا بالإمارات والسلطات شأنهم شأن بقة الأمة، فبقوا على تلك الحال فترة حتى سلط الله على الأمة عاصفة هوجاء لم ترى البشرية مثلها ..
اجتاح المغول بلاد الإسلام وعاثوا في الأرض الفساد، قتلوا الرجال، وهتكوا أعراض النساء، ولم يسلم منهم الأطفال، والأمة لاهية في غيها ودنياها، وأحفاذ صلاح الدين متناحرين متباغضين متشاحنين يكيدون لبعضهم البعض حتى بلغ الأمر ببعضهم: أن والى النصارى الكفار ضد إخوانه المسلمين، فأتاهم الله من حيث لا يشعرون، ثم استبدلهم بقوم تربوا على الطعان والجلاد وحب الدين وأهله فالحمد لله مقدر الحياة والمنون ..
العلماء الربانيون ..
قال ابن كثير رحمه الله في أحداث سنة سبع وخمسين وستمائة:
وقد جاز أشموط بن هولاكو خان الفرات، وقرب من حلب، فعند ذلك عقدوا مجلسا بين يدي المنصور بن المعز التركماني، وحضر قاضي مصر بدر الدين السنجاري والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وتفاوضوا الكلام فيما يتعلق بأخذ شيء من أموال العامة لمساعدة الجند، وكانت العمدة على ما يقوله ابن عبد السلام، وكان حاصل كلامه أنه قال:
إذا لم يبق في بيت المال شيء، ثم أنفقتم أموال الحوائض المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس سوى آلات الحرب بحيث لم يبق للجندي سوى فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، لأنه إذا دهم العدو البلاد، وجب على الناس كافة دفعهم بأموالهم وأنفسهم.
ولاية الملك المظفر قطز:
وفيها: قبض الأمير سيف الدين قطز على ابن أستاذه نور الدين علي الملقب بالمنصور، وذلك في غيبة أكثر الأمراء من مماليك أبيه وغيرهم في الصيد، فلما مسكه سيره مع أمه وأبنيه وأخوته إلى بلاد الإشكري، وتسلطن هو وسمى نفسه: بالملك المظفر.
وكان هذا من رحمة الله بالمسلمين، فإن الله جعل على يديه كسر التتار ..
وبان عذره الذي اعتذر به إلى الفقهاء والقضاة وإلى ابن العديم، فإنه قال: لا بد للناس من سلطان قاهر يقاتل عن المسلمين عدوهم، وهذا صبي صغير لا يعرف تدبير المملكة. (انتهى) ..
أقول: وكم عندنا اليوم من الأمراء والحكام من هم أقل حلما وأصغر عقلا من هذا الصبي لا يعرفون تدبير أنفسهم - فضلا عن تدبير الممالك - ابتلي بهم المسلمون، ولكن ليس هنالك من هو مثل صلاح الدين يصرف هؤلاء إلى أحضان أمهاتهم!!
من هو قطز!! (ت: 658 هـ) ..
هو الملك المظفر قطز بن عبد الله سيف الدين التركي، أخص مماليك المعز التركماني أحد مماليك الصالح أيوب بن الكامل. رحم الله الجميع ..
لما قتل أستاذه المعز قام في تولية ولده نور الدين المنصور علي، فلما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة لصغر ابن أستاذه فعزله ودعا إلى نفسه، فبويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة كما تقدم، ثم سار إلى التتار فجعل الله على يديه نصرة الإسلام، وقد كان شجاعا بطلا كثير الخير ناصحا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرا.
جرأته وشجاعته:
ذكر عنه: أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قتل جواده ولم يجد أحدا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب، فترجل وبقي واقفا على الأرض ثابتا، والقتال عمال في المعركة، وهو في موضع السلطان من القلب.
فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها، فامتنع وقال لذلك الأمير:"ما كنت لأحرم المسلمين نفعك"، ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل، فركب فلامه بعض الأمراء وقال:
"يا خوند: لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك".
فقال أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضيع الإسلام رحمه الله.
فانظر إلى التطابق العجيب بين هذا الرجل وبين خلفه الملك نور الدين رحمه الله، فأي طراز من الرجال هؤلاء الذين أعدهم الله سبحانه وتعالى لإعزاز الأمة وتمكينها!!
حادثة عجيبة في حياة المظفر قطز:
حكى الشيخ قطب الدين اليونيني في الذيل على المرآة عن الشيخ علاء الدين بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع الناصر بوطاه برزه جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر، فقرأت ذلك على السلطان، فقال: اذهب إلى فلان وفلان فأخبرهم بهذا.
قال: فلما خرجت عنه لقيني بعض الأجناد فقال لي: جاءكم الخبر من مصر بأن قطز قد تملك.
فقلت: ما عندي من هذا علم وما يدريك أنت بهذا؟
فقال: بلى والله سيلي المملكة ويكسر التتار.
فقلت: من أين تعلم هذا؟.
فقال: كنت أخدمه وهو صغير، وكان عليه قمل كثير فكنت أفليه وأهينه وأذمه، فقال لي يوما ويلك إيش تريد أعطيك إذا ملكت الديار المصرية؟.
فقلت له: أنت مجنون؟.
فقال: لقد رأيت رسول صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال لي: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيه.
فقلت له حينئذ - وكان صادقا: أريد منك إمرة خمسين فارسا.
فقال: نعم، أبشر.
قال ابن الأثير: فلما قال لي هذا قلت له: هذه كتب المصريين بأنه قد تولى السلطنة، فقال: والله ليكسرن التتار، وكان كذلك، ولما رجع الناصر إلى ناحية الديار المصرية وأراد دخولها، ورجع عنها ودخلها أكثر الجيوش الشامية، كان هذا الأمير الحاكي في جملة من دخلها، فأعطاه المظفر إمرة خمسين فارسا، ووفى له بالوعد، وهو الأمير جمال الدين التركماني.
قال ابن الأثير: فلقيني بمصر بعد أن تأمر فذكرني بما كان أخبرني عن المظفر، فذكرته ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك فكسرهم وطردهم عن البلاد، وقد روى عنه أنه لما رأى عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس، وتفيء الظلال، وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، رحمه الله تعالى.
ماذا بعد قطز!!
ثم حمل الراية من بعده أسد من أسود الإسلام وليث من ليوثها أقض مضاجع الكفار من الفرنجة والمغول والمنافقين، وكانت على يديه فتوحات كثيرة عظيمة أعادت للأمة سالف مجدها ..
قال ابن كثير رحمه الله: كان الملك الظاهر شهما شجاعا عالي الهمة بعيد الغور مقداما جسورا معتنيا بأمر السلطنة، يشفق على الإسلام، متحليا بالملك، له قصد صالح في نصرة الإسلام وأهله، وإقامة شعار الملك واستمرت أيامه من يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين إلى هذا الحين [سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة] ..
ففتح في هذه المدة فتوحات كثيرة: قيسارية، وأرسون، ويافا، والشقيف، وإنطاكية، وبعراس، وطبرية، والقصير، وحصن الأكراد، وحصن عكار، والغرين، وصافينا وغير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج.
ولم يدع مع الإسماعيلية شيئا من الحصون، وناصف الفرنج على المرقب، وبانياس وبلاد انطرسوس، وسائر ما بقي بأيديهم من البلاد والحصون، وولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح قيسارية من بلاد الروم.
وأوقع بالروم والمغول على البلستين بأسا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة، واستعاد من صاحب سيس بلادا كثيرة، وجاس خلال ديارهم وحصونهم، واسترد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبك، وبصرى، وصرخد، وحمص، وعجلون، والصلت، وتدمر، والرحبة، وتل باشر وغيرها، والكرك، والشوبك، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان.
وانتزع بلادا من التتار كثيرة، منها شيرزور، والبيرة، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة، وعمر شيئا كثيرا من الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار ...
وله من الأثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بني أيوب، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئا كثيرا، ورد إليه نحوا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمر كثيرا منهم، وكان مقتصدا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه، وهو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها، وبقي الناس بلا خليفة نحوا من ثلاث سنين، وهو الذي أقام من كل مذهب قاضيا مستقلا قاضي قضاة.
وكان رحمه الله متيقظا شهما شجاعا لا يفتر عن الأعداء ليلا ولا نهارا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه واجتماع شمله.
وبالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونا ونصرا للإسلام وأهله، وشجا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار، والمشركين.
وأبطل الخمور ونفى الفساق من البلاد، وكان لا يرى شيئا من الفساد والمفاسد إلا سعى في إزالته بجهده وطاقته. (انتهى) ..
رحم الله بيبرس ورضي عنه، وجزاه الله عن أمة الإسلام خير الجزاء ..
وماذا بعد بيبرس!!
قال ابن كثير رحمه الله: ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وستمائة [أي بعد موت الظاهر بيبرس بسنتين]
.وقع الخلف بين الأمراء الظاهرية بسبب أن السلطان الملك السعيد بن الظاهر لما بعث الجيش إلى سيس أقام بعده بدمشق وأخذ في اللهو واللعب والانبساط مع الخاصكية، وتمكنوا من الأمور. وبعد عنه الأمراء الكبار، فغضبت طائفة منهم ونابذوه وفارقوه وأقاموا بطريق العساكر الذين توجهوا إلى سيس وغيرهم، فرجعت العساكر إليهم فلما اجتمعوا شعثوا قلوبهم على الملك السعيد، ووحشوا خوطر الجيش عليه.
وقالوا: الملك لا ينبغي له أن يلعب ويلهو إنما همة الملوك في العدل ومصالح المسلمين والذب عن حوزتهم، كما كان أبوه.
وصدقوا فيما قالوا، فإن لعب الملوك والأمراء وغيرهم دليل على زوال النعم وخراب الملك، وفساد الرعية.
وكانت خطوب ذكرها ابن كثير: حيث تم عزل السعيد وتولية أخوه العادل"سلامش"، ثم ما لبث أن اجتمع الأمراء بقلعة الجبل من مصر وخلعوا الملك العادل سلامش ابن الظاهر، وأخرجوه من البين، وإنما كانوا قد بايعوه صورة ليسكن الشر عند خلع الملك السعيد، ثم اتفقوا على بيعه الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولقبوه الملك المنصور ..
وهو: السلطان الملك المنصور قلاوون ابن عبد الله التركي الصالحي الألفي، اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، بألفي دينار، وكان من أكابر الأمراء عنده وبعده.
ولما تزوج الملك السعيد بن الظاهر بابنته غازية خاتون، عظم شأنه جدا عند الظاهر، وما زال يترفع في الدولة حتى صار أتابك سلامش بن الظاهر، ثم رفعه من البين واستقل بالملك في سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس سنة ثمان وثمانين، وعزم على فتح عكا وبرز إليها فعاجلته المنية في السادس والعشرين من ذي القعدة (689 هـ) .. مات عن قريب من ستين سنة، وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة، وكان حسن الصورة مهيبا، عليه أبهة السلطنة ومهابة الملك، تام القامة حسن اللحية عالي الهمة شجاعا وقورا رحمه الله وغفر له ..
ثم ما لبثت الأمة بعده قليلا حتى تفرقت وضعف أهل الشام ومصر والعراق فاستبدلهم الله بالترك العثمانيين ففتح الله على أيديهم واستعادت الأمة بسببهم هيبتها لقرون عدة متعاقبة حتى سقطت الخلافة العثمانية في القرن المنصرم ..
حقائق قرآنية لا حياد عنها:
"إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير" (التوبة: 39) ..
"وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد: 38) ..
"ياأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" (54 المائدة) ..
هذا وعد الله، وهذا قدره الذي ارتضاه للأمة: الأجيال الفاسدة تستبدل بالصحيحة، والآسن العفن يتبدل بالصحيح الطيب،"كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال * للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد" (الرعد: 17 - 18) .. كلما قعد جيل واستكان للدنيا يستبدله الله بجيل من أعظم خصائصه الجهاد في سبيل الله والولاء للإسلام والبراء من أعداءه ..
فمن أراد الإستجابة واللحوق بالجيل الجديد: جيل العزة والكرامة، جيل الجهاد والتضحية، جيل القوة والنجدة فليلحق بالصالحين، ولينخرط في صفوف المجاهدين فإنه والله عز الدنيا والآخر .. ومن تخلف فليبقى زبدا هامشا ينتظر سوء الحساب ..
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
[كتبه: حسين بن محمود > 23 جمادى الأولى 1424 هـ]