فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله"مِنَ الْبَيِّنَاتِ"الدالات على الحق المظهرات له."وَالْهُدَى"وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم، من طريق أهل الجحيم. فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم، بأن يبينوا للناس ما من الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه. فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين كتم ما أنزل الله، والغش لعباد الله فأولئك"يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ"أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته."وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ"وهم جميع الخليقة، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم. كما أن معلم الناس الخير يصلي الله عليه وملائكته، حتى الحوت في جوف الماء لسعيه في مصلحة الخلق وإصلاح أديانهم وقربهم من رحمة الله، فجوزى من جنس عمله. فالكاتم لما أنزل الله، مضاد لأمر الله، مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها. وهذا يسعى في طمسها وإخفائها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد". (انتهى) .."
هذه الآيات والأحاديث تتحدث عمن كتم العلم الشرعي الذي فرض الله على العلماء بيانه للناس، فإن كانت الحاجة لنوع من العلم ماسة، كما هو حالنا اليوم في حاجة الناس لمعرفة أحكام الجهاد وعقيدة الولاء والبراء، كان الحكم فيها آكد والعذاب على كتمانه أعظم، ومن أخذ على هذا الكتمان شيء من حطام الدنيا الفانية - والعياذ بالله - فهذا الوعيد في حقه أشد وأعظم من غيره ..
قال تعالى:"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" (آل عمران: 187) ..
قال القرطبي رحمه الله: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم: فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية، والله أعلم. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"يعني ريحها (الحديث عند أبي داود وابن ماجة وقد صححه الألباني رحمه الله) . (انتهى كلامه) ..
أما من اعتذر بقهر السلطان له وغلبته على أمره، فهذا أقل ما يُقال في حقه أن يسكت ولا يتكلم بكلام فيه تعريض بأهل الحق وتخذيل الناس عن نصرتهم .. ولشيخ الإسلام رحمه الله رأي صريح وقوي في من كان هذا