فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب، وجعل يقول: انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، وكتاب الملك إلى الزاهد.
وجاء إليه أخو الشيخ أبي البيان يستعديه على رجل أنه سبه ورماه بأنه يرائي وأنه وأنه، وجعل يبالغ في الشكاية عليه.
فقال له السلطان: أليس الله تعالى يقول:"وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا" (الفرقان: 63) ، وقال:"وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" (الأعراف: 199) . فسكت الشيخ ولم يحر جوابًا.
عبادته، رحمه الله:
وقال الفقيه أبو الفتح الأشري معيد النظامية ببغداد، وكان قد جمع سيرة مختصرة لنور الدين، قال: وكان نور الدين محافظًا على الصلوات في أوقاتها، في جماعة بتمام شروطها والقيام بها بأركانها، والطمأنينة في ركوعها وسجودها، وكان كثير الصلاة بالليل، كثير الابتهال في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في أموره كلها ..
شهادة الأعداء له:
قال: وبلغنا عن جماعة من الصوفية ممن يعتمد على قولهم أنهم دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام أخذ القدس الفرنج فسمعهم يقولون: إن القسيم ابن القسيم - يعنون نور الدين - له مع الله سر، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعو فإنه يستجيب له ويعطيه سؤله فيظفر علينا.
قال: فهذا كلام الكفار في حقه.
إلى الرفيق الأعلى ..
وفي يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال من سنة إحدى وأبعين وخمسمائة قبض رحمه الله تعالى عن ثمان وخمسين سنة، مكث منها في الملك ثمان وعشرين سنة رحمه الله، وصلي عليه بجامع القلعة بدمشق .. وقد رثاه الشعراء بمراث كثيرة، وما أحسن ما قاله العماد:
عجبت من الموت لما أتى .... إلى ملك في سجايا ملك
وكيف ثوى الفلك المستد .... ير في الأرض وسط فلك