وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، وهي مائتا بيت واثنان، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين، منها قوله:
شمل الهدى والملك عمّ شتاته .... والدهر ساء وأقلعت حسناته
أين الذي مذ لم يزل مخشيّة .... مرجوةً رهباته وهباته؟
أين الذي كانت له طاعاتنا .... مبذولةً ولربه طاعاته
بالله أين الناصر الملك الذي .... لله خالصةً صفتْ نياته؟
أين الذي ما زال سلطانًا لنا .... يرجى نداه وتتقى سطواته؟
أين الذي شرف الزمان بفضله .... وسمت على الفضلاء تشريفاته؟
أين الذي عنت الفرنج لبأسه .... ذلًا، ومنها أدركت ثاراته؟
أغلال أعناق العدا أسيافه .... أطواق أجياد الورى مناته
من للعلى من للذرى من للهدى .... يحميه؟ من للبأس من للنائل؟
طلب البقاء لملكه في آجلٍ .... إذ لم يثق ببقاء ملكٍ عاجل
بحرٌ أعاد البر بحرًا بره .... وبسيفه فتحت بلاد الساحل
من كان أهل الحق في أيامه .... وبعزه يردون أهل الباطل
وفتوحه والقدس من أبكارها .... أبقت له فضلًا بغير مساجل
ما كنت استسقي لقبرك وابلًا .... ورأيت جودك مخجلًا للوابل
فسقاك رضوان الإله لأنني .... لا أرتضي سقيا الغمام الهاطل
رحم الله الملك الناصر صلاح الدين، وأثابه عن الأمة خير المثوبة، فقد كان درعًا لها وحصنًا حصينًا .. اختلف من بعده أبناءه وقادته وعمت الفوضى، وتُرك الجهاد، وانشغلوا بالإمارات والسلطات شأنهم شأن بقة الأمة، فبقوا على تلك الحال فترة حتى سلّط الله على الأمة عاصفة هوجاء لم ترى البشرية مثلها ..
اجتاح المغول بلاد الإسلام وعاثوا في الأرض الفساد، قتلوا الرجال، وهتكوا أعراض النساء، ولم يسلم منهم الأطفال، والأمة لاهية في غيها ودنياها، وأحفاذ صلاح الدين متناحرين متباغضين متشاحنين يكيدون